رأي

العـقـلنة البرلمـانية بين الماضي و الحاضر

 

الحلقة الثانية

محمد ايت موحتا

تأتي هذه القراءة القانونية كتتمة لقراءة في كتاب “البرلمان فــي ضوء مستجدات الدستور” للدكتور رشيد المدور، أستاذ القانون الدستوري ، بكلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية بالمحمدية الذي سبق أن تــم نشره بجريدة علاش بريس يوم 25 مايو 2019 .

إذن ما هو المقصـود بالعقلنة البرلمانية ؟ و ماهــي تجلياتهـــــــا فــــي ضوء دستور 2011 ؟

عـرف Boris MIRKINE- GUTZEVITCH العقلنة البرلمانية انــــــها “مجموعة من الآليات التي تهدف إلى ضمان استقرار السلطة التنفيذية”

أما الدكتور رشيد المدور، فيعرفها في كتابه “البرلمان في ضوء مستجدات الدستور بأنها “مجموعة من الآليات الدستورية الرامــية إلــــــى التقليص من مجال القانون، والحد من سيادة البرلمان في ممارسة التشريع والرقابة، وإخضاع أعماله للرقابة الدستورية: لمنـــع هيمنته عــــلى السلطة التنفيذية وضمان استقرارها”

وقد ظهرت هذه” العقلنة البرلمانية” بوصفها فلسفة في الحكم تمنع من هيمنة السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية مع الجمهورية الفرنسية الخامسة سنة 1958بقيادة الجنرال شارل ديغول Charles de Gaulesو المساهمة القوية لميشيل دوبري Michel Debré، بعد تجربتي الجمهوريتين الثالثة و الرابعة اللتين انتهتا إلى عـدم استقـرار الحكومــات ، لكثرة أزمـــاتها السياسية.

غير أن تقييم الممارسة البرلمانية الفرنسية حكم عليه بالغلو لما انتصر إلى مبدأ الاستقرار على حســــاب مبدأ التوازن مما أدى إلى تقليـــص دور البرلمان في توجيه السياسة الوطنية. وبناء على ذلك بدأ التنادي بالحاجـــة إلى مراجعة منطق العقلنة البرلمانية، في اتجاه التخفيف من قيودها علـــى العمل البرلماني وإحقاق قدر من التوازن من جهة بين السلطتين (التنفيذية والتشريعية) ومن جهة أخرى بين الأغلبية والمعارضة.

وهو ما كان عليه الدستور المغربي منذ سنة 1962 مع الملك الراحــل الحسن الثانـــي وأكــده كذلــك الملك محمــد الســـادس فــي أكثـــر مـن مناسبــة في خطاباته إلــى إن تمـــت دسترة مبدأ “العقلنة البرلمانية” مــن خــلال دستور 2011.

وهو ما سأحاول أن أعالجه عبر مطلبين:

المطلب الأول:نتعرف من خلاله على: مستجـــــدات دستـــور 2011 بخصوص دورات مجلس البرلمان ومجال القانون.
المطلب الثاني: نتطرق فيه إلى آليــــات البرلمان بخصــــوص الرقابة ومساءلة الحكومة.

المطلب الأول: مستجدات دستور 2011 بخصوص دورات مجلسي البرلمان ومجال القانون
اقتباسا من البرلمانية الفرنسية ،جميع الدساتير المغربيـة الستة نصـــت على نظام الدورتين البرلمانيتين العادية المحددتين في مدتهما وعلـى وضــع شرط توفر نصاب محدد لقبول طلب أعضاء البرلمان لعقد دوراته العادية الاستثنائية و صلاحيات البرلمان في مجال القانون.
.
أولا : انعقاد الدورات العادية والاستثنائية:
أ-رفع مدة انعقاد الدورات العادية للبرلمان: من 3أشهر إلى 4 اشهـــر
ب-تخفيض نصاب طلب البرلمان عقد دوراته الاستثنائية (ثلث النـــواب و أغلبية أعضاء المستشارين)

ثانيا: صلاحيات البرلمان في المجال القانوني
انتقلت من 9 مجــالات للتشريع لتشمــل 30 مجالا. من معــاهــدات التكاليف المالية إلى معاهدات السلم أو الاتحاد أو رســم الحدود، أو التجـارة أو تلك المتعلقة بحقوق وحريات المواطنين العامة والخاصة.

كما حدد المشرع الدستوري آليـــات البرلمان بخصــوص الرقابــة ومساءلة الحكومة .

المطلب الثاني: آليات البرلمان بخصوص الرقابة ومساءلة الحكومة

أولا : تخفيض أنصبة الملتمسات وتشكيل لجان تقصي الحقائق
من اهم ما جاء به دستور 2011 بخصوص الانصبة الواجبة لتشكيل لجان تقصي الحقائق و تقديم ملتمسي الرقابة و المساءلة، نجد ما يلي:

 تخفيض النصاب الواجب لطلب ملتمس الرقابة من الربع إلى الخمس (أداة معارضة في يد البرلمان بحيث الموافقة عليه تؤدي إلى استقالة جماعية للحكومة).
 تخفيض نصاب طلب المساءلة من الثلث إلى الخمس( يسائل بواسطته مجلس المستشارين الحكومة).
 تخفيض النصاب الواجب لطلب تشكيل لجان برلمانية لتقصي الحقائق من الأغلبية المطلقة إلى ثلث أعضاء إحدى الغرفتين (بمبادرة من الملك أو بطلب من أعضاء مجلس النواب).
 تمكين البرلمان من عقد جلسات لجانه بصفة علنية (الفصل 68 الفقرة الثالثة من دستور2011)

ثانيا: الرقابة الدستورية القبلية
كما وسع المشرع مجال الر قابة الدستورية القبلية و البعدية عبر :
 توسيع مجال الرقابة القبلية الاختيارية لتشمل جميع المعاهدات الدولية التي يوافق عليها البرلمان (بإحالة من : الملك،رئيس الحكومة،رئيس مجلس النواب،رئيس مجلس المستشارين،سدس النواب أو ربع المستشارين).
 تخفيض النصاب الواجب في الرقابة الدستورية القبلية لمطابقة القوانين من الربع بالنسبة لأعضاء مجلس النواب إلى الخمس أو 40 عضوا بالنسبة للمستشارين

من خلال تخفيف الدستور الجديد من قيود العقلنة البرلمانية، يكون قد أعطى صفة التشريعية للبرلمان وذلك من خـــــلال توسيع صلاحيـــاته فــي مجالات : التشريع، الرقابة، ومراقبة العمل الحكومي. ويبقـــى شرط حسن التنزيل شرطا أساسيا للاعتراف بصلاحيـــــات غرفتيه التي غلب فيهـــا هذا الدستور مجلس النواب على مجلس المستشارين في إطار الثنائية البرلمانية، فما هي مظاهر تغليب الغرفة الأولى على الثانية؟

يتبع ……………………….

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: