أخبارفن وثقافةهل تعلم

الحاج محمد العنقي والمغفور له الحسن الثاني: الموسيقى في قلب السياسة والمقاومة بالمغرب الكبير

دور الحاج محمد العنقي في التعبير عن دعم المرحوم الحسن الثاني للنضال الجزائري وتأثير الخلافات السياسية على الفن والمهرجانات

في سياق الموسيقى الوطنية والتراث الثقافي الجزائري، تبرز أغنية الحاج محمد العنقي “الحمد لله ما بقاش الاستعمار في بلادنا” كرمز للفخر والاستقلال، تعبّر عن فرحة الجزائريين بتحرر بلادهم من الاستعمار بعد نضال طويل وتضحيات جسيمة. تعكس كلمات الأغنية مجد المقاومة الجزائرية وتمجد الوحدة الوطنية والهوية الأصيلة، حيث أصبحت هذه الأغنية أيقونة وطنية تعيدها الأجيال في المناسبات التاريخية. إلا أن الأغنية شهدت تغييرات في بعض النسخ، خصوصًا حذف المقطع الذي يذكر المغفور له الملك الحسن الثاني، الذي لدور دعم المغرب في كفاح الجزائر، بسبب حساسية سياسية داخلية. فالسلطات الجزائرية تبنت موقفًا رسميًا يرفض إبراز أي إشادة أو تأثير خارجي، حفاظًا على الخطاب الوطني الذي يكرّم رموز المقاومة الجزائرية فقط، وهذا الإجراء أدى إلى مشاكل لفنانين مثل الحاج محمد العنقي، ممنوعين أحيانًا من السفر أو من تقديم أعمالهم بسبب ذلك.
أحد أبرز الأحداث التي تعكس علاقة الحاج محمد العنقي مع المرحوم الملك الحسن الثاني كان عندما عرض الملك على العنقي الإقامة في المغرب، مقدمًا له فيلا سكنية مرتبًا شهريًا مرتفعًا وامتيازات متعددة بصفته على نفقة البلاط الملكي، تقديرًا لدوره الفني في دعم النضال الوطني الجزائري. رغم هذا العرض السخي، منعت السلطات الجزائرية الفنان من مغادرة البلاد، ما أدى إلى معاناة كبيرة للعنقي حتى وفاته وهو يعاني من ضيق مادي، الأمر الذي يبرهن على الشدّة السياسية التي أحاطت بهذا الفنان رغم حجم تقدير فنه وأثره في التراث المغاربي.
كانت ردود فعل السلطات الجزائرية على هذه الأغاني التي تحتوي على إشارات للحسن الثاني رحمة الله عليه صارمة حيث شهد الفنانون متاعب كبيرة، تمثلت في مصادرة الأغاني ومنع دور العرض، وكذلك منع السفر، وذلك ضمن سياسة رسمية تهدف إلى التمسك بالوحدة الوطنية ورفض إظهار أي عناصر قد تؤثر على صورة المقاومة الجزائرية. ولئن حظي الحسن الثاني بدعم نضال الجزائر، إلا أن إبراز هذا الدعم في الوسط الفني كان دائماً مدعوماً بالحذر والرقابة الشديدة، ضمن أجواء التوتر السياسي المستمر بين البلدين.

أما على صعيد الموسيقى المغربية التي تنظم مهرجاناتها الكبرى كـ”موازين” وغيرها، فقد شهدت علاقات الجزائر بالمغرب توتراً طويلاً أثر على التبادل الفني والثقافي بين البلدين.حيث تمتد رقابة الجزائر على الأغاني المغربية إلى مرحلة السبعينيات مع تفاقم الخلافات السياسية وتحديداً بعد إعلان المسيرة الخضراء، إذ تم منع بث العديد من الأغاني المغربية وفرض قيود على دخول الفنانين المغاربة إلى الجزائر.
لم تقتصر الرقابة على المنع المباشر إذ تعدت ذلك إلى مصادرة الأعمال الفنية وفرض قيود شديدة، ضمن سياق صراع أوسع بين البلدين رفع منسوب الحذر تجاه أي تعاون ثقافي.

تأثر الخلاف السياسي بين الدول المغاربية بهذا الواقع، إذ انعدمت فرص إقامة مهرجانات مشتركة تجمع الفنانين والشعوب المغاربية، وحيث تحولت هذه المهرجانات إلى ساحات تظهر فيها الهوية الوطنية والسياسية أكثر من كونها فضاءات للفن والترفيه.
فقد شهدت مناسبات فنية عديدة مشاركة محدودة أو ممنوعة لفنانين من دول معينة، مع حظر أغاني تحمل معانٍ سياسية تدعم الأطراف المتنازعة، مما خفض من فرص التبادل الثقافي الذي لطالما كان من المفترض أن يعزز وحدة الشعوب المغاربية. ويظهر هذا جلياً في الجدل الدائر حول تمويل وتنظيم بعض المهرجانات الكبرى، التي تُتهم أحياناً بالتبذير في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية القائمة.
وباختصار يمكن القول إن الموسيقى والأغاني والفنون في المنطقة المغاربية لا تزال تعيش تحت ضغوط سياسية تعكس المزيد من الانقسامات، مما يحولها من وسائل للتواصل والتقارب إلى أداة تعبير عن التوترات المتجددة.
ورغم هذا الواقع، تبقى الأغنية الوطنية مثل أعمال الحاج محمد العنقي شاهدة على قوة الروح الوطنية والرغبة في الحرية والتسامح، بينما يعكس واقع الرقابة والمعالجة الفنية حالة التعقيد السياسي التي تلقي بثقلها على واقع الحراك الثقافي والفني في المنطقة.

إن التوتر السياسي بين الجزائر والمغرب أثّر سلباً على كثير من الجوانب الثقافية، وخاصة تنظيم المهرجانات الفنية، فبدلاً من أن تكون مناسبة للتلاقي الفني والتبادل الثقافي فإنها غالبًا ما تحولت إلى مساحات سياسية تعبّر عن الخلافات، مما قلل فرص العمل المشترك وأضعف حركة الفنانين في المنطقة. هذا الواقع يعكس مدى تعقيد الأوضاع السياسية في بلدان المغرب العربي وتأثير ذلك على الفنون والثقافة، حيث يبقى الأمل أن تتجاوز هذه الخلافات في المستقبل لتستعيد المنطقة مكانتها الثقافية والفنية التي تعكس تاريخها المشترك وروحها الشعوباني.
هذه الظاهرة تلقي بظلالها على إنتاج الأغاني والمهرجانات، وتفرض رقابة صارمة على الأعمال الفنية التي تتناول قضايا تخص الصراعات السياسية أو تسلط الضوء على شخصيات مثيرة للجدل، كما هو الحال في أغاني الحاج محمد العنقي التي تعرضت لمثل هذا النوع من الحذف والمنع. في نهاية المطاف، تظل الموسيقى والفن في هذه المنطقة مرآة للواقع السياسي وميدانًا للتحولات الاجتماعية والثقافية العميقة، وهي تدعو إلى مزيد من الانفتاح والتعاون لإحداث تغيير إيجابي يعكس الطموحات الحقيقية للشعوب المغاربية.

وفي ختام هذا التقرير الذي استعرض علاقة الفن والموسيقى في الجزائر والمغرب وتأثير الخلاف السياسي بينهما، يتبين جليًا أن الفنون، رغم كونها مرآة للتعبير الحر والهوية الثقافية، لم تكن بمنأى عن تداعيات السياسية المعقدة التي عصفت بالمغرب الكبير.
لقد أثرت هذه الخلافات على محتوى الأغاني وتوزيعها، وفرضت رقابة صارمة على أعمال فنية كانت تعكس تاريخ الكفاح والهوية الوطنية، وهو ما ظهر جليًا في حالة أغاني الحاج محمد العنقي والتقييد على الأغاني المغربية.

سيبقى الفن، بالرغم من كل هذه العراقيل، صوتًا نابضًا بالذات الوطنية والإنسانية، يحمل رسائل الحرية والكرامة. إلا أن استمرار الحواجز السياسية التي تُضعف التلاقي والتبادل الثقافي يشكل تحديًا يُعيق تطور المشهد الفني في المنطقة المغاربية. إن تجاوز هذه الخلافات وفتح آفاق جديدة للتعاون الفني والثقافي هو السبيل نحو تعزيز الوحدة والتفاهم، موسمًا لروح جديدة تنعش تاريخًا مشتركًا وثقافة غنية تعود بالنفع على جميع شعوب المغرب الكبير.

👈🏼هذا التقرير لا يختم عند هذه النقطة فحسب، بل يفتح الباب أمام التساؤل والتفكير في مستقبل العلاقة بين الموسيقى والسياسة، وكيف يمكن للفن أن يكون جسراً للسلام والتقارب في ظل تحديات الواقع السياسي الحالي.
فهل ستشهد الأيام القادمة تحولات تسمح للفنانين بحرية أكبر في التعبير والتعاون؟
وهل يمكن أن يكون التراث الفني المشترك عامل توحيد في زمن الانقسامات؟ إن هذه الأسئلة تظل قائمة، تفتح مساحة للنقاش وللبحوث المستقبلية التي قد تحمل الأمل والتغيير المنشود.

اظهر المزيد

حميد فوزي

رئيس التحرير
زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!