أخبارجهات

طاطا في مفترق الطرق: الحاجة إلى نخب مسؤولة ونقاش هادئ.

محمد لمدان

يعيش إقليم طاطا مرحلة دقيقة تتطلب من جميع أبنائه الترفع عن الصغائر، وتوحيد الجهود من أجل تحقيق التنمية المنشودة. غير أن الواقع، وللأسف، يكشف عن انشغال البعض بممارسة نوع من “الرقابة الاجتماعية” على بعضهم البعض، والتركيز على النيات بدل الأفكار، وعلى الأشخاص بدل المبادرات، مما يبدد الطاقات في صراعات هامشية لا تخدم إلا مزيدًا من التراجع والجمود.

إن طاطا ليست ملكًا لأحد، بل هي فضاء رحب يتسع للجميع، لكل من يحمل حلمًا، فكرة، أو مشروعًا لصالح الساكنة. وإن النقاش الهادئ، البناء، المبني على الاحترام المتبادل، هو السبيل الأنجع لخلق تقارب في وجهات النظر، وتمهيد الطريق نحو تنمية حقيقية تستجيب لتطلعات أبناء وبنات الإقليم.

قوة الرأي لا تكمن في الصوت العالي، ولا في السخرية من المخالفين، بل في القدرة على استيعاب الآخر، وتقبل رأيه، بل والدفاع عن حقه في التعبير حتى وإن خالفنا. 

إن الخلاف ظاهرة صحية، شرط أن ينبني على نية الإصلاح لا على تصفية الحسابات أو تغذية الأنا.

من هذا المنطلق، يجب أن ننطلق من حسن النية، وأن نؤمن بأن من ينتقدون، حتى ولو اختلفنا معهم، فهم في الغالب يحملون نفس الهم، ويتقاسمون معنا الرغبة في رؤية طاطا أفضل، لنتعلم كيف نسمع بعضنا، لا كيف نتربص ببعضنا.

وفي هذا السياق، لا بد من توجيه خطاب واضح إلى النخب المحلية، بكل مكوناتها، السياسية والمدنية والثقافية، لتحمل مسؤولياتها التاريخية. إن المرحلة تستدعي مراجعة جادة لطرق معالجة قضايا التنمية بالإقليم، وفتح نقاشات عمومية صادقة حول الأولويات، آليات الاشتغال، وأدوار الفاعلين.

ندرك تمامًا أن هناك إكراهات مرهقة، وواقعًا تنمويًا معقدًا، لكن من اختار خوض غمار تدبير الشأن العام، عليه أن يدرك أن الأمر ليس نزهة، بل مسؤولية لها كلفتها وتحتاج لصبر ونكران ذات. أما من تبين له أن هذه الظروف تفوق إمكانياته أو لا تسمح له بالعطاء، فإن الاعتراف بذلك وفسح المجال للطاقات القادرة على العطاء، هو في حد ذاته موقف نبيل يُحسب له لا عليه.

 

وفي ظل هذا الواقع، تظل السلطات المحلية الفاعل الترابي الأول، الذي يتحمل العبء الأكبر في تأمين التنسيق والتدخل و احتضان المبادرات و تشجيعها ، بسبب غياب الفعالية المطلوبة من طرف عدد من المنتخبين والنخب المفروض أن يكونوا في مقدمة المبادرة والاقتراح.

 

ويبقى السؤال الحارق: متى سيتمكن ساسة هذه الأرض ومنتخبوها من فرض حضورهم الحقيقي في مواقع القرار الجهوية و المركزية التي تنتظر منهم الشجاعة والعزيمة؟ متى سنشهد انتقالهم من التراخي والموقع المتأخر، إلى قيادة دينامية جديدة قادرة على إحداث الفارق، لا الاكتفاء بالتبرير أو التماهي مع حالة الانتظار؟

 

نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى التكتل وتعزيز الجهود المبذولة، والاستمرار في ابتكار حلول محلية تنبع من واقعنا وإمكانياتنا. فطاطا لن تُبنى إلا بسواعد أبنائها، ولن تتحرك قاطرتها إلا بإرادتهم وتعاونهم. لدينا فرص حقيقية ومتعددة، لكننا نحتاج فقط إلى الوعي بها والتعامل معها بذكاء. فكلما تأخرنا، كلما كانت تكلفة الرحلة أشدّ وأغلى.

وأخيرًا، لنعلم أن الإقليم لا يحتاج لمزيد من الخطابات الحادة أو المنشورات المسمومة، بل يحتاج لعقول منفتحة، لقلوب متصالحة، ولأيدي ممدودة نحو العمل المشترك.

طاطا في :2025/03/22

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!