ميزانيات تجهيز إقامات العمال والولاة: بين متطلبات العمل المؤسساتي وحملات التشكيك الموجهة

علاش بريس
في خضم النقاش العمومي المتجدد حول طرق تدبير المال العام، عاد إلى الواجهة موضوع الميزانيات التي تخصصها وزارة الداخلية لتجهيز إقامات العمال والولاة، وهو نقاش مشروع في إطار دولة المؤسسات والرقابة، غير أن ما يثير الانتباه هو الكيفية التي يُطرح بها هذا الموضوع أحيانًا، وما يرافقه من تأويلات وانتقادات تفتقر في كثير من الأحيان إلى الدقة والموضوعية.
إن الميزانيات المرصودة لتجهيز إقامات العمال والولاة تندرج، من حيث المبدأ، ضمن منطق مؤسساتي واضح، يهدف إلى توفير شروط العمل والتمثيل اللائق لممثلي الدولة في الجهات والأقاليم. فهذه الإقامات ليست فضاءات خاصة بالمعنى الضيق، بل تُعد جزءًا من البنية الإدارية والرمزية للدولة، وتُستعمل في استقبال الوفود الرسمية، وعقد اللقاءات المؤسساتية، واحتضان أنشطة ذات طابع بروتوكولي وتمثيلي، تفرض معايير معينة في التجهيز والسلامة والجاهزية.
ومن هذا المنطلق، فإن ربط هذه الميزانيات بمنطق “الترف” أو “الهدر” يغفل السياق الحقيقي الذي تُصرف فيه، كما يتجاهل كونها تخضع لمساطر قانونية ومحاسباتية دقيقة، تمر عبر قنوات المراقبة الإدارية والمالية المعمول بها. كما أن هذه الاعتمادات لا تُحدد بشكل اعتباطي، بل تُبنى على دراسات وحاجيات مرتبطة بوضعية كل إقامة، ودرجة تقادم تجهيزاتها، ومتطلبات الأمن والبروتوكول.
في المقابل، يلاحظ أن بعض الجهات تحاول توظيف هذا الموضوع بشكل انتقائي، وتضخيم أرقامه أو إخراجه من سياقه، في توقيتات محددة، بما يطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفيات هذا “الاستهداف الإعلامي”. فبدل فتح نقاش هادئ ومسؤول حول أولويات الإنفاق العمومي بشكل عام، يتم التركيز على جزئية معينة، وتقديمها للرأي العام وكأنها عنوان للاختلال، دون الإحاطة بباقي المعطيات أو مقارنتها بما هو معمول به في دول ومؤسسات مماثلة.
ولا يمكن فصل هذا الجدل، في بعض الأحيان، عن محاولات التشويش على أدوار وزارة الداخلية ورجال السلطة، خاصة في سياق يزداد فيه حضورهم الميداني في تنزيل الأوراش التنموية، ومواكبة البرامج الاجتماعية، وضمان الاستقرار والنظام العام. وهو ما يجعل من الضروري التمييز بين النقد البناء، القائم على المعطيات والتحليل الرصين، وبين الحملات التي تُدار بمنطق الإثارة أو التصفية الرمزية.
إن النقاش الحقيقي المطلوب اليوم لا ينبغي أن ينحصر في عناوين مثيرة، بل يجب أن ينصب على تعزيز الشفافية والتواصل المؤسساتي، وتوضيح طبيعة هذه الميزانيات وأهدافها للرأي العام، بما يعزز الثقة ويقطع الطريق على التأويلات المغرضة. فالدولة القوية هي التي لا تخشى النقاش، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بتحويره أو توظيفه خارج سياقه اضوعي.












