وليد الركراكي بين واقعية النتائج ومتطلبات المتعة

حكيم السعودي
في عالم كرة القدم حيث تكون المقاييس بين الفوز والهزيمة دائمًا واضحة ومعروفة يظل الفارق بين مدرب وآخر هو كيفية تحقيق هذا الفوز. البعض يفضل الاستحواذ والسيطرة على مجريات المباراة معتقدًا أن المتعة هي المفتاح إلى النجاح و آخرون يرون أن الفوز هو الغاية وأن أي وسيلة تؤدي إلى ذلك هي مقبولة. وفي هذه الزوايا المتناقضة يسير وليد الركراكي بثقة ثابتة مدفوعًا برؤية تختلف عن غيره، فهو ليس من أولئك الذين يلهثون وراء الاستحواذ الزائف أو التمريرات الاستعراضية التي قد تثير إعجاب الجماهير لكنها لا تقدم شيئًا ملموسًا على أرض الواقع بل يسعى نحو المحصلة النهائية فقط حيث لا مكان للتكهنات أو الجدال حول أسلوب اللعب ما دامت النتائج تتحدث عن نفسها.لكن في عالم كرة القدم قد تكون النتائج وحدها غير كافية لتهدئة نفوس الجماهير والإعلام. فالأرقام قد تكون جافة في بعض الأحيان وقد يغيب عنها العامل الإنساني والجمالي. عندما لا تُضاف المتعة إلى الفوز يبدأ السؤال في التكرر هل هذا هو الأسلوب الأمثل؟ هل هو فكر تكتيكي ثاقب من مدرب على دراية بما يسعى لتحقيقه؟ أم أن هناك أزمة في فكر المدرب أو مشكلة في طريقة التطبيق على أرض الواقع؟
من المؤكد أن الركراكي قد قدم للفريق العديد من النجاحات ولكنه يعاني من انتقادات على أسلوب لعبه الذي قد يُنظر إليه على أنه يفتقر إلى الجمال واللمسات الفنية التي تشبع رغبات الجماهير. وهذه الانتقادات لا تقتصر فقط على الفشل في إظهار استعراضات فنية بقدر ما هي مطالبة بمزيد من التوازن بين النتيجة والمتعة لكن هل يمكن أن نحمّل الركراكي وحده مسؤولية هذا الإشكال؟ وهل هو فعلاً في طريقه نحو المجد كما يراه البعض؟ أم أنه مجرد فوز بلا روح؟
إذا نظرنا إلى مسيرة الركراكي نجد أن أسلوبه تكتيكي بحت حيث يعتمد على الوصول إلى الهدف بأقل عدد من الخطوات، قد لا تكون المباريات التي يقودها مليئة بالأهداف الجميلة أو الهجمات الرائعة التي تثير الحماسة في المدرجات لكن النتائج هي التي تثبت أن هذا الأسلوب له فاعلية، فالركراكي لم يكن ليحصل على هذه الانتصارات لولا إلمامه العميق بالخصم وكيفية استغلال نقاط ضعفه كما أنه يحرص على أن يكون الفريق منظمًا ومتماسكًا ويعمل على تقديم أداء جماعي متكامل يساهم في تعزيز قوة الفريق في كل مباراة.ومع ذلك تظل العلاقة بين الأداء والنتائج مسألة معقدة، فالجماهير قد تكون مستعدة لقبول طريقة لعب متحفظة أو غير جذابة ما دام الفريق يحقق الفوز ولكن حينما تغيب المتعة وتصبح النتائج جافة لا تعكس أي إبداع أو إثارة، فإن هذا لا يلبث أن يخلق حالة من الاستياء، فالفوز قد يكون وسيلة لإثبات التفوق على المنافسين ولكنه ليس كافيًا لبناء علاقة طويلة الأمد مع الجماهير، فالناس لا يبحثون فقط عن الأرقام بل عن اللحظات التي تجعلهم يشعرون بأنهم جزء من تجربة كرة القدم بكل ما تحمله من تشويق واندفاع عاطفي.
هل الركراكي في هذه اللحظة يواجه أزمة فكر؟ ربما لا، فالرجل يبدو على دراية تامة بما يفعله ،و ما نراه من أداء قد يكون بمثابة الخطة المدروسة لتجاوز منافسيه في كل مباراة دون الانشغال بالآراء الخارجية، فهو ليس متأثرًا بالضغوط الإعلامية التي تطالب بالمتعة والجمالية في اللعب و في النهاية الهدف هو تحقيق النجاح، وإذا كان هذا النجاح يعني تقديم أداء بطيء أو أقل إثارة للانتباه فهو لا يمانع في ذلك ما دام الفائز هو الفريق الذي يقوده.ومع ذلك قد يكون من المفيد للركراكي أن يتبنى نوعًا من التوازن بين الصلابة التكتيكية ومتعة اللعبة فلا يمكن إنكار أن الجماهير تبحث عن لحظات الفرح والجمال داخل المستطيل الأخضر وربما يساعد هذا التوازن في بناء علاقة أعمق بين الفريق جماهيره، فالفوز لا يكون كاملاً إلا عندما يترافق مع الأداء الذي يرضي العين والعقل معًا.
وبالرغم من كل ذلك يظل الركراكي في طريقه نحو المجد مستمرًا في تحدي الصعاب وتقديم الأداء الذي يعتقد أنه الأنسب للفريق، قد يختلف البعض في تقييمه لهذا الأسلوب أو الطريقة ولكن يبقى الأهم في النهاية هو فوز الفريق وتطور مستواه، فحتى وإن لم يكن التعثر مرادفًا للنتائج السلبية فإن الاستمرارية في تقديم الأداء المتماسك قد يضع الركراكي في مكانة متميزة في عالم التدريب. ومن يدري ربما سيأتي اليوم الذي تُظهر فيه النتائج المبهرة مع المتعة المفقودة حينها سيكون الركراكي قد نجح في الجمع بين النتيجتين الفوز والمتعة وهما الشرطان الحقيقيان للنجاح في عالم كرة القدم.