أخبارفن وثقافة

نجيب محفوظ بين الإلحاد والتطبيع: عبقرية أدبية تستفز التقاليد والتحديات السياسية

رحلة عميد الرواية العربية من فلسفة الجامعة إلى جدليات النقد والهجوم الفكري

في مثل هذا اليوم، 30 أغسطس، يحيي العالم ذكرى وفاة نجيب محفوظ، الأديب والمفكر المصري العالمي الذي فارق الحياة عام 2006 عن عمر يناهز خمسة وتسعين عامًا.
محفوظ لم يكن روائيًا عاديًا، بل كان علامة بارزة في الأدب العربي الحديث، إذ أحدث تحولاً جذريًا في الرواية العربية من خلال دمج الفلسفة والواقعية الاجتماعية في أعماله، الأمر الذي جعله صوتًا خالدًا يعبر عن هموم الإنسان العربي وتاريخه وهويته.

وُلد نجيب محفوظ في حي الجمالية بالقاهرة عام 1911، ونشأ في بيت متواضع حيث تلقت عائلته تأثرًا بالقيم الاجتماعية التقليدية. ومع تعليمه في الكُتّاب، والتحاقه بكلية الآداب بجامعة القاهرة حيث درس الفلسفة، اكتسب محفوظ ثقافة عميقة أثرت في تمكنه من صياغة رواياته التي تجمع بين الفكر الفلسفي والتحليل النفسي والاجتماعي، ما أضفى على أعماله بعدًا فكريًا وإنسانيًا عميقًا.

كانت بداية محفوظ الأدبية مع الشعر، لكنه أدرك بسرعة محدودية هذا الفن في التعبير عن تعقيدات الواقع الذي يعيشه المجتمع المصري، فانتقل إلى الرواية التي وجدها وسيلة أقدر على استيعاب تعدد الشخصيات وتفاصيل الحارات المصرية التي رسم صورها ببراعة في أعماله.
ومع تطور تجربته الأدبية، بدأ محفوظ يستكشف أشكال السرد المختلفة، من التاريخي في ثلاثيته الفرعونية إلى الواقعية الاجتماعية في رواياته التي تلون بالحارات المصرية وتناقش قضايا الهوية الوطنية والدين والسياسة.

حظي محفوظ بدعم الكاتب سلامة موسى، الذي كان من أوائل من شجعوه ونشروا أعماله، مؤمنًا بأهمية تجديد الأدب المصري وربطه بقضايا المجتمع. هذه الشراكة بين الفكر والتجديد أعطت محفوظ قوة دفع لإرساء تجربته الأدبية التي أخذت تتوسع لتشمل أيضاً الرمزية والفلسفة والتأمل الوجودي، لتصل إلى ذروتها في أعمال مثل “أولاد حارتنا” التي أثارت جدلاً واسعًا وواجهت محاولات لمنعها.

واجه نجيب محفوظ اتهامات بالإلحاد نتيجة مواقفه الأدبية الجريئة، وأحاطته تكفيرات رافقتها محاولة اغتيال في عام 1994، حين تعرض لهجوم مسلح بطعنة في رقبته قبل أن ينجو بمعجزة.
هذه المحاولة التي نفذها متطرفون تابعون لجماعة إسلامية متشددة جاءت بعد فتاوى دينية أصدرت بحق محفوظ، واعتبرت كتاباته تحديًا صريحًا لقيم الدين والتقاليد الاجتماعية.
رغم ذلك، استمر محفوظ في نشاطه الأدبي بثبات وهدوء، مستفيدًا من دعم شخصيات دينية وفكرية تدافع عن حرية الفكر والتعبير.

إضافة إلى ما سبق، لم يكن محفوظ بمنأى عن الاتهامات بالتطبيع السياسي، خاصةً بعد مواقفه الداعية للسلام في الصراع العربي الإسرائيلي، إذ واجه هجومًا من بعض التيارات التي ربطت مواقفه بمجاملات أو تأييد للكيان الإسرائيلي، لكنه كان يوضح دائمًا أن ما يسعى إليه هو السلام العادل بصفته رائدًا إنسانيًا يؤمن بحل الخلافات بالحوار بعيدًا عن الحروب الدموية. وظل موقفه سياسيًا معتدلاً يدعو إلى الحوار ونبذ العنف في سبيل تحقيق الأمن والاستقرار.

لقد استطاع نجيب محفوظ، عبر رحلته الأدبية والفكرية المعقدة، أن يضع بصمة لا تُمحى على خارطة الأدب العربي والعالمي، جامعًا بين عبقرية السرد وعمق الفلسفة، مما جعله رائد الرواية العربية الحديثة وأحد أبرز الأصوات النقدية التي تنظر إلى الإنسان والمجتمع نظرة معمقة وشمولية.
إن إرثه الأدبي، الذي يضم مئات القصص والروايات، يبقى مستمرًا في التأثير وتقديم دروس في فهم الإنسان العربي بمآسيه وأحلامه، كما أنه يمثل حلقة وصل بين الماضي والحاضر في رحلة البحث عن الهوية والتجديد.

إن ذكرى نجيب محفوظ تدفع إلى التأمل في تحديات الفكر الحر والابداع في المجتمعات التي تحتدم فيها صراعات بين التقليد والحداثة، وبين الدين والسياسة، لتظل أعماله شاهدة على قوة الكلمة وقدرتها على تغيير المفاهيم وتحفيز الوعي الإنساني، مؤكدًا أن الأدب ليس مجرد حكي، بل هو سلاح فكر وحضارة يبني جسور التفاهم والحوار في عالم متغير.

تعلمتْ من أيامِي، أن السعَادة لنْ نجدهَا إلا فِي قلُوبنا حِينَ نؤمن أنْ الدنْيا مُجرَّد سَفَر، فَلَا شَيءَ فيهَا لنا.

– نجيب محفوظ.

اظهر المزيد

حميد فوزي

رئيس التحرير
زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!