نتناول في هذا المقال ملف الصلاة داخل المدارس المغربية، من خلال المبادرات التي أطلقتها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة لتعزيز الالتزام بالصلوات الخمس في أوقاتها، ضمن جهود أوسع لترسيخ القيم الدينية والسلوكية لدى الناشئة.
وتستند هذه المبادرات إلى مادة التربية الإسلامية التي تتضمن تعليم شروط الصلاة وأركانها وسننها، إضافة إلى حصص تطبيقية لتدريب التلاميذ على الوضوء وأداء الصلاة، وأنشطة موازية تشمل المسابقات الدينية والأناشيد والعروض المسرحية واللقاءات التربوية. وقد أكد الوزير السابق محمد سعيد برادة، في رده على سؤال برلماني لفريق العدالة والتنمية، أن المؤسسات التعليمية تبذل جهودًا متواصلة لتربية الناشئة على القيم الدينية، وفي مقدمتها الالتزام بالصلوات الخمس في أوقاتها.
غير أن التطبيق يبقى متفاوتًا، فالتربية على الصلاة موجودة فعلًا في المناهج والأنشطة، وبعض المؤسسات اعتمدت ترتيبات إضافية مثل تخصيص فضاءات للصلاة أو تنظيم الاستراحات، لكن غياب مذكرة وزارية موحدة تفرض وقتًا ثابتًا للصلوات الخمس في كل المدارس يجعل من الصعب الحديث عن برنامج وطني مكتمل وموحّد.
ويعتمد التعامل مع فترات الصلاة في أوقات الدراسة على مرونة تنظيمية، حيث تُستثمر فترات الاستراحة أو يُعدّل تنظيم الفصول بما يسمح بالصلاة دون تعطيل الحصص، خصوصًا صلاة الظهر والعصر. ويحظى يوم الجمعة بمعالجة خاصة عبر مذكرات وزارية تعدّل مواعيد الحصص المسائية لتيسير أداء الصلاة، كما تعتمد الوزارة في رمضان جدولة مخففة تشمل تأخير الدخول وتقديم الخروج وتقليص الحصص بما يراعي الصيام وأوقات الصلاة.
وتختلف التدابير عمليًا بين المدارس العمومية والخصوصية، رغم أن الفرق الأساسي لا يتمثل في منع الصلاة في نوع دون الآخر، بل في طبيعة الإدارة وتنظيم الزمن وتوفر الفضاءات. فالمدارس العمومية تخضع لمذكرات وزارة التربية الوطنية وتوجيهات الأكاديميات والمديريات الإقليمية، بينما تتمتع المدارس الخصوصية بمرونة أكبر في التنظيم الداخلي ضمن حدود المعايير التربوية العامة.
أما من حيث الصلاحيات، فوزارة التربية الوطنية هي الجهة المخولة أساسًا بتنظيم الصلاة داخل المدارس، عبر وضع السياسات التربوية وإصدار المذكرات التنظيمية وتحديد كيفية تكييف الزمن المدرسي مع الصلاة، بينما تتولى الأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية والمؤسسات التعليمية التنزيل والتطبيق. وتؤدي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية دورًا مرجعيًا في الجانب الديني عبر إعداد التقاويم ومواقيت الصلاة وتأطير الشأن الديني، دون أن تدير الزمن المدرسي أو تنظّم الصلاة داخل المؤسسات التعليمية. ويمكن للمجالس العلمية المحلية المساهمة في التأطير الديني والتربوي عبر الدروس والمحاضرات والأنشطة التوعوية، لكن دورها يبقى مساندًا وتوعويًا دون سلطة إلزام المدارس بتعديل الجداول.
ويمكن لجمعيات الآباء وأمهات وأولياء التلاميذ أن تتدخل عبر طرح المقترحات والتنسيق مع إدارة المؤسسة ودعم الأنشطة التربوية والاجتماعية، لكن دورها يبقى استشاريًا وداعمًا دون سلطة إلزام الإدارة بتعديل الجدول. أما النقابات التعليمية، فلم يُرصد لها موقف رسمي مركزي ومباشر حول مبادرات الصلاة تحديدًا، إذ ركزت خلال الفترة نفسها على ملفات أخرى مثل مدارس الريادة والحوار القطاعي وحقوق الأطر التربوية.
وكان التفاعل البرلماني محدود النطاق لكنه موثق، إذ جاء أساسًا عبر سؤال كتابي من فريق العدالة والتنمية أجاب عليه وزير التربية الوطنية آنذاك، دون مواقف حزبية واسعة من أحزاب أخرى حول هذه المبادرات تحديدًا. أما الرأي العام والإعلام، فقد تفاعلا بشكل مزدوج: جزء رحب بالمبادرات بوصفها تعزيزًا للتربية القيمية والدينية، وجزء آخر أثار تساؤلات حول التنظيم المدرسي وحدود التدخل الديني في المدرسة العمومية ومدى إمكانية تعميم التجربة.
ويستند تكييف الزمن المدرسي جهويًا إلى معايير محددة تشمل الخصوصيات المجالية، ظروف النقل والسكن، الوضعية الجغرافية، الطقس والمناخ، البنية المادية للمؤسسة، والإيقاعات الذهنية للمتعلمين، مع الحفاظ على الغلاف الزمني وزمن التعلم كشرط أساسي في أي تكييف. وتتولى الأكاديميات الجهوية تحديد الصيغة الملائمة لكل جهة وفق هذه المعايير، مع مراعاة يوم الجمعة بما يتيح أداء الصلاة في ظروف ملائمة، وفي الوسط القروي يحتفظ مجلس تدبير المؤسسة بصلاحية اختيار الصيغة الأنسب ضمن هذه المعايير.
وتخلص إلى أن ملف الصلاة في المدارس المغربية يمثل نموذجًا لسياسة تربوية تسعى إلى الجمع بين البعد القيمي والواقع التنظيمي، لكنه ما يزال بعيدًا عن التوحيد الكامل. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الإعلان عن المبادرات، بل في قدرتها على الانتقال من الخطاب الرسمي إلى ممارسة يومية منظمة ومتسقة داخل جميع المؤسسات، عبر وضوح أكبر في الإطار التنظيمي، وتوحيد أدنى للمعايير بين الجهات، وتوفير الفضاءات والإمكانيات اللازمة، مع الحفاظ على التوازن بين الحق في الممارسة الدينية وضرورة استيفاء زمن التعلم.







مساحة للنقاش
وجهات نظر مختلفة. حوار يجمعنا.
نرحب برأيك. تُراجع التعليقات والردود قبل نشرها للحفاظ على نقاش محترم.
كن أول من يبدأ الحوار
ما رأيك في هذا الموضوع؟ نرحب بوجهة نظرك.
أضف إلى النقاش
نقرأ مشاركتك بعناية. قد تستغرق المراجعة بعض الوقت.