الوداديات السكنية تحت مجهر “الداخلية”: لجان التفتيش تتحرك لحسم الخروقات وإنقاذ المنخرطين (إقليم بنسليمان نموذجا).

علاش بريس
تعيش العديد من الجماعات الترابية ببلادنا، وبشكل خاص تلك التابعة لإقليم بنسليمان، على إيقاع استنفار كبير عقب دخول المفتشية العامة لوزارة الداخلية على خط ملف “الوداديات السكنية”. وتأتي هذه الخطوة الحاسمة لفتح علبة الأسرار الإدارية والمالية لمشاريع عمرانية طالما سال حولها الكثير من الحبر، وتحولت من حلم “قبر الحياة” إلى كابوس يقض مضجع آلاف المنخرطين.
وفي استجابة حازمة لشكاوى ومعاناة مئات المتضررين الذين تبخرت آمالهم وأموالهم في دهاليز وعود سكنية وهمية، باشرت لجن تابعة لمفتشية وزارة الداخلية عمليات افتحاص واسعة النطاق. وتنكبّ هذه اللجان حاليا على التدقيق في كل الخطوات الإدارية، والملفات القانونية، والتحويلات المالية الخاصة بالوداديات المعنية.
ويهدف هذا التحرك التفتيشي إلى الوقوف على حجم الاختلالات، وتحديد المسؤوليات بدقة، ووضع حد للاختباء وراء الثغرات القانونية لـ”قانون الحريات العامة” الذي ينظم هذه الوداديات كجمعيات، في حين أنها تمارس نشاطاً عقارياً وتجارياً صرفاً.
ورغم أن القضاء المغربي قال كلمته في العديد من الملفات، وأصدر أحكاما بالسجن النافذ في حق رؤساء وأعضاء مكاتب مسيرة ثبت تورطهم في اختلاس أموال المنخرطين والتلاعب بها، إلا أن الواقع أثبت أن “الاعتقال وحده ليس هو الحل”.
فخلف قضبان السجون، تظل المشاريع السكنية متوقفة كليا، وتظل الوثائق الإدارية والمالية معلقة، مما يترك المنخرط (الضحية) في مواجهة المجهول؛ لا هو استرجع أمواله، ولا هو تسلم شقته أو بقعته الأرضية. ومن هنا، تأتي مبادرة وزارة الداخلية للبحث عن حلول بديلة وذات فعالية سريعة لإعادة إحياء هذه المشاريع وتسوية وضعيتها القانونية والتقنية صوناً لحقوق المواطنين.
ويعتبر إقليم بنسليمان المرآة الحقيقية لهذه الأزمة؛ حيث يضم عددا مثيرا للانتباه من الوداديات السكنية. وتتربع جماعة المنصورية على رأس القائمة بعد أن حطمت الأرقام القياسية في احتضان هذا النوع من المشاريع، تليها جماعات أخرى مثل -بوزنيقة -لفضالات -بنسليمان(المدينة) -الشراط.
وتتأرجح وضعية الوداديات في هذه المناطق بين صورتين متناقضتين تماما الصورة المضيئة (النجاح) والصورة المظلمة (الفشل والفساد)، هناك تجارب ناجحة نجحت في توفير سكن لائق بأسعار مناسبة للمنخرطين وضمن آجال معقولة، مساهمة في التنمية العمرانية للإقليم. وهناك تعثر شامل، ومشاريع ميتة، وتبديد مئات الملايين من السنتيمات، وقضايا بالجملة تتداولها ردهات المحاكم بعد ثبوت النصب والاحتيال.
وتؤكد المعطيات الميدانية المحينة أن لجان المفتشية العامة لوزارة الداخلية قد حطت رحالها بالفعل بالجماعات المذكورة بإقليم بنسليمان (المنصورية، بوزنيقة، لفضالات، بنسليمان، الشراط). وتواصل هذه اللجان ليل نهار التدقيق في الحسابات البنكية ومصادر ومصارف أموال المنخرطين، والعقود المبرمة مع المنعشين العقاريين، المهندسين، والمقاولين، ومدى التزام المكاتب المسيرة بالوعود والتعهدات المضمنة في دفاتر التحملات والمخططات الهندسية الأصلية.
وإن دخول وزارة الداخلية بثقلها في ملف الوداديات السكنية بإقليم بنسليمان لا يشكل فقط خطوة لربط المسؤولية بالمحاسبة، بل يمثل بصيص أمل حقيقي للمتضررين. فالهدف الأسمى اليوم لم يعد ينحصر في معاقبة الجناة، بل في إيجاد مخرج قانوني وتقني يخرج هذه المشاريع السكنية من “بلوكاج” الإجراءات، ويعيد الحقوق لأصحابها الذين دفعوا أمولهم في سبيل سكن لم يروه بعد.












