أ.م/علاش بريس
ينتظر الشارع المغربي من ممثلي الأمة نقاشا سياسيا جادا يلامس أصل الداء، ويبحث عن حلول ملموسة تنهي مسلسل الارتفاع المتواصل لأسعار المواد الأساسية، وتنقذ القدرة الشرائية للأسر التي أرهقها الغلاء. غير أن أشغال لجنة المالية بمجلس النواب شهدت، على مدار الأيام الأخيرة، منحى مغايرا للنقاش؛ حيث آثر برلمانيو أغلبية حزب التجمع الوطني للأحرار فتح سجال أيديولوجي ومفاهيمي يسقط مفاهيم تاريخية غريبة على الواقع المغربي.
فبعد الدرس التاريخي الذي قدمه رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار حول التجربة السوفياتية واستحضاره لمصطلحي “الكولخوزات” و”السوفخوزات”، جاء دور النائبة اعتماد الزاهيدي، عن الحزب نفسه، لتواصل الشرح والتأصيل في اجتماع لجنة المالية، منتقدة خطة الحكومة لإحداث شركات جهوية للتوزيع، وكأن هذا المشروع يضع الاقتصاد المغربي على أعتاب موسكو في ثلاثينيات القرن الماضي.
إن الاسترسال في هذا الإبداع المصطلحي يوشك أن يفتح الباب أمام مسميات خيالية لا وجود لها إلا في مخيلة من ضاقت به الحجة الاقتصادية، فاستعاض بالتاريخ والنزاع الأيديولوجي ليغطي على خلو جيبه من البدائل العملية.
وعند العودة إلى التوصيف العلمي الدقيق، فإن “الكولخوز” ليس سوى مزرعة جماعية في النموذج السوفياتي، و”السوفخوز” مزرعة تشرف عليها وتملكها الدولة بالكامل. وفي المقابل، فإن مشروع الشركات الجهوية الست المزمع إحداثها عبر مناطق المملكة يهدف بالأساس إلى تقديم خدمات لوجيستيكية وتجميلية للفلاحين والتعاونيات—شاملة التجميع، والفرز، والتلفيف، والتبريد، والنقل—دون أن تتحول هذه المؤسسات إلى وسيط عمومي يحتكر الشراء وإعادة البيع.
فأين التشابه إذن بين آلية لوجيستيكية حديثة لضبط سلاسل التوريد وبين نظام تنظيمي ستاليني؟
وتتلخص الغاية الأسمى من هذه الشركات الجهوية في خفض حلقات الوساطة المتعددة، وكبح جماح المضاربات الجشعة التي اكتوى المواطنون بنارها، سواء في أسعار الخضروات والمواد الغذائية الأساسية، أو في المحروقات وأضاحي العيد.
وتتجلى المفارقة الكبرى في كون بعض الأصوات المنتقدة للمشروع اليوم كانت، حتى الأمس القريب، تتولى مقاليد تدبير العمل الحكومي؛ فماذا قدمت حينها للحد من تضارب المصالح وجشع الوسطاء؟ وإن كان تبريرهم يكمن في حفظ “العقيدة الاقتصادية” وسلامة السوق الحر رغم ارتفاع الأسعار، فقد كسبوا الرهان الأيديولوجي النظري، ولكن المواطن المغربي هو من خسر قدرته الشرائية.
إن السياسات السابقة أسهمت في تعميق الفوارق الاجتماعية، وحين يطرح اليوم مسار لتنظيم سلاسل التوزيع، يستدعي المنتقدون شبح التخطيط الممركز الذي اندثر منذ ثلاثة عقود لتخويف الرأي العام.
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل الترف الفكري أو الهرب إلى التاريخ؛ ومن يختلف مع الإجراء المعتمد أو يشكك في نجاعته، يتوجب عليه تقديم بديل عملي وملموس ينعكس إيجاباً على القدرة الشرائية للمواطنين، أما التلويح بالمتاحف السوفياتية فلن يملأ جيب الفقير ولن يوقف لهيب الأسعار.







مساحة للنقاش
وجهات نظر مختلفة. حوار يجمعنا.
نرحب برأيك. تُراجع التعليقات والردود قبل نشرها للحفاظ على نقاش محترم.
كن أول من يبدأ الحوار
ما رأيك في هذا الموضوع؟ نرحب بوجهة نظرك.
أضف إلى النقاش
نقرأ مشاركتك بعناية. قد تستغرق المراجعة بعض الوقت.