عندما تصبح الحاجة إلى لغاتٍ للحوار تتجاوز الخطاب السياسي والاقتصادي، يقدم المعرض الجماعي «التقاء الفنانين في طريق الحرير» نموذجاً فنياً وثقافياً يذكّر بأن الجسور بين الشعوب لا تُبنى بالاتفاقيات وحدها، بل تُنسج أيضاً بالألوان والخطوط والصور والذاكرة الجمالية المشتركة. وقد انطلقت فعاليات هذا المعرض في 23 أكتوبر 2026 بالمركز الثقافي الصيني بالرباط، لتبقى مفتوحة أمام الجمهور إلى غاية 23 دجنبر من السنة نفسها، في تجربةٍ تضع الفن المغربي والعربي في حوار مباشر مع الإبداع الصيني المعاصر.
يضم المعرض 51 عملاً فنياً أنجزها فنانون صينيون ومغاربة وعرب، فيما يشكل عنوان «طريق الحرير» أكثر من مجرد استعارة تاريخية؛ فهو يستدعي مساراً حضارياً قديماً نقل البضائع والمعارف والمعتقدات والفنون بين الشرق والغرب، ليحوّله المنظمون إلى مسارٍ بصري معاصر تلتقي فيه الرؤى الفنية وتتبادل التجارب. وبهذا المعنى، لا يقدّم المعرض لوحاتٍ معلقة على الجدران فحسب، بل يعرض شهاداتٍ بصرية عن رحلاتٍ فنية عرفها فنانون عرب ومغاربة في الصين، كما عرف فنانون صينيون بلداناً عربية استلهموا منها تراثها ومناظرها ووجوه أهلها.�
وفي قلب هذه التظاهرة، يحضر الفنان التشكيلي المغربي محمد المنصوري الإدريسي، رئيس النقابة الوطنية للفنانين التشكيليين المغاربة، بمكانةٍ تتجاوز مجرد المشاركة العرضية. فالمنصوري ليس ضيفاً عابراً على الحدث، بل فنانٌ يحمل في مساره إشاراتٍ إلى تجربة مغربية حاضرة في الحوار الفني الدولي، كما يحمل بوصفه مسؤولاً نقابياً اهتماماً واضحاً بتعزيز حضور الفنان المغربي خارج الحدود الوطنية. وقد سبق له المشاركة في الدورة الرابعة عشرة من مبادرة «طريق الحرير: ملتقى الفنانين» التي أقيمت في الصين بين 13 و30 أبريل 2026، حيث خاض مع فنانين عرب آخرين رحلةً إبداعية امتدت بين العاصمة بكين ومقاطعة فوجيان.
ولم تكن هذه الرحلة زيارةً سياحية أو حضوراً بروتوكولياً في فعالياتٍ ثقافية، بل كانت ورشةً فنية مفتوحة على المكان والإنسان والذاكرة. فقد زار المنصوري وزملاؤه المتاحف، والتقوا بفنانين صينيين، وعاشوا تفاصيل المدن والطبيعة والمعالم، قبل أن يترجموا ما رأوه وما شعروا به إلى أعمالٍ تشكيلية. وهنا تكمن قيمة التجربة: فاللوحة لا تنبع من الخيال المجرد وحده، بل من مواجهةٍ مباشرة مع فضاءٍ ثقافي آخر، ومن قدرة الفنان على تحويل الانطباع إلى لغةٍ جمالية خاصة به.
ويبرز ضمن إنتاج المنصوري في هذه التجربة عملٌ يحمل عنوان «لوو تشن»، وهو اسم المرشد الصيني الذي رافق الوفد الفني خلال رحلته. وقد استلهم الفنان في هذه اللوحة جبال الشاي الخضراء بمنطقة وويي، فضلاً عن حضور الشباب الصيني الذي قابلهم أثناء التنقل، ليجعل من الأخضر لوناً مركزياً يعبّر عن الحياة والتجدد والخصوبة. وليس الاختيار عفوياً؛ فاللون الأخضر في العمل لا يصف الطبيعة فقط، بل يحمل أيضاً إحساساً بالانفتاح والتجاوب مع بلدٍ ضاّف وفنانين عرباً في رحلةٍ فنية مليئة بالمفاجآت البصرية والإنسانية.
وتتجلى في لوحة «لوو تشن» قدرة محمد المنصوري الإدريسي على تحويل اللقاء الإنساني إلى شهادة جمالية صادقة؛ إذ لم يكتفِ الفنان المغربي بتوثيق مناظر جبال الشاي الخضراء في وويي، بل جعل من المرشد الصيني الذي رافق الوفد رمزاً للضيافة والتجدد والانفتاح. وفي شهادته، يكشف المنصوري أن الرحلة لم تكن محاولةً لرسم الصين من الخارج فحسب، بل تجربةً داخلية أعادت تشكيل نظرة الفنان إلى ذاته وإلى الفن ذاته. وهنا يبلغ الحوار بين المغرب والصين أقصى معناه الجمالي: فاللوحة لا تُنتج من مجرد النظر إلى المكان، بل من الاحتكاك به والانفعال أمامه والاعتراف بما يمنحه للفنان من أسئلة ورؤى جديدة. وبهذا المعنى، تصير عبارة «رسالة حب إلى الصين» أكثر من عنوانٍ عاطفي، لتغدو تعريفاً دقيقاً بعملٍ فني يجعل من الأخضر لوناً للحياة، ومن الصين فضاءً للتجدد، ومن التجربة الفنية جسراً بين ذاتين حضاريتين تلتقيان في لغة اللون والصورة.
وقد وُصف هذا العمل بأنه رسالة حب إلى الصين، وهو وصفٌ يبدو دقيقاً في ظاهره، لكنه يفتح في العمق سؤالاً أوسع حول قدرة الفن على تجاوز الاختلافات اللغوية والثقافية. فحين يختار فنانٌ مغربي أن يجعل من وجه مرشدٍ صيني ومناظر جبال الشاي موضوعاً لإبداعه، فإنه لا يكتفي بتوثيق رحلة، بل يبني علاقةً رمزية بين الذات الفنية المغربية والفضاء الصيني. وهنا يتحول «طريق الحرير» من مسارٍ تاريخي إلى تجربة حسية معاصرة، يصير فيها اللون والخط والفراغ أدواتٍ للحوار بدل الكلمة المباشرة.
غير أن قراءة المعرض لا ينبغي أن تكتفي بالإطراء أو بالاحتفاء بالرمزية. فالسؤال النقدي الذي يفرض نفسه هو: هل تتجاوز هذه المبادرات الطابع الاحتفالي إلى بناء حضورٍ فني مغربي وعربي مستدام في المشهد الفني الصيني؟ إن مشاركة محمد المنصوري الإدريسي، ومساره السابق في البينالي الدولي لبكين، حيث دخل أحد أعماله إلى المتحف الوطني الصيني، تمنحان التجربة مصداقيةً فنية حقيقية. ومع ذلك، يبقى التحدي في تحويل هذه اللقاءات الفردية إلى مشاريع مؤسساتية تضمن للفنان المغربي حضوراً منتظماً، وتوثيقاً دقيقاً، وأسواقاً فنية عادلة، بدل الاكتفاء بالمبادرات الموسمية.
كما أن المعرض يطرح سؤالاً آخر يتعلق بجمهوره. فالمعرض المقام بالرباط يمنح الزائر المغربي فرصةً نادرة لرؤية نتائج حوارٍ فني جرى في الصين، لكن قيمته الحقيقية لن تكتمل ما لم يصحبه نقدٌ فني، وندوات، ووثائقيات، ونشرٌ أكاديمي يشرح السياقات التي أنجزت فيها الأعمال. فالجمهور لا يحتاج فقط إلى مشاهدة اللوحات، بل يحتاج أيضاً إلى فهم الرحلة التي أنتجتها، والأسئلة التي طرحتها، والحدود التي حاولت تجاوزها. وفي هذا الصدد، تظل المبادرة فرصةً لتعليم الجمهور أن الفن ليس ترفاً جمالياً، بل وسيلةً لفهم العالم وإعادة قراءة العلاقات بين الثقافات.
وتكتسي مشاركة المنصوري أهميةً مضاعفة في ظل المكانة التي يحتلها المغرب في الحوار الثقافي مع الصين. فالمغرب، بموقعه الجغرافي عند بوابة إفريقيا وأوروبا، وبإرثه الحضاري المتوسطي والإفريقي والعربي والأمازيغي، يمتلك مادةً فنية غنية قادرة على إثراء أي حوارٍ مع الثقافة الصينية. غير أن هذه المادة لا تتحول إلى حضورٍ فني فعلي إلا حين يجد الفنانون مؤسساتٍ تدعمهم، ونقاباتٍ تدافع عن حقوقهم، ومنصاتٍ تعرض أعمالهم وتوثق تجاربهم. ومن هنا، فإن حضور رئيس النقابة الوطنية للفنانين التشكيليين المغاربة في هذا المعرض يحمل دلالةً مؤسساتية إلى جانب دلالته الفنية.
وفي الختام، يقدم معرض «التقاء الفنانين في طريق الحرير» بالرباط شهادةً على أن الفن يظل من أقوى وسائل تقريب الشعوب، لأنه يتحدث بلغةٍ لا تحتاج إلى ترجمة كاملة كي تُفهم. كما يقدم مسار محمد المنصوري الإدريسي نموذجاً لفنانٍ مغربي حوّل السفر إلى تجربة إبداعية، واللقاء إلى عملٍ فني، والانطباع إلى لوحةٍ تحمل أسئلة الانتماء والانفتاح والذاكرة المشتركة. وإذا كانت «لوو تشن» قد وُلدت من رحلةٍ إلى الصين، فإن قيمتها لا تكمن في كونها لوحةً عن بلدٍ بعيد، بل في كونها دليلاً على أن الفنان المغربي قادر على أن يكون شاهداً على العالم، ومترجماً لتحولاته، وصانعاً لجسورٍ جديدة بين الحضارات.







مساحة للنقاش
وجهات نظر مختلفة. حوار يجمعنا.
نرحب برأيك. تُراجع التعليقات والردود قبل نشرها للحفاظ على نقاش محترم.
كن أول من يبدأ الحوار
ما رأيك في هذا الموضوع؟ نرحب بوجهة نظرك.
أضف إلى النقاش
نقرأ مشاركتك بعناية. قد تستغرق المراجعة بعض الوقت.