أثار إعلان انتهاء ولاية بعثة المينورسو في الصحراء المغربية نقاشًا يتجاوز ترتيبات إنهاء مهمة أممية إلى مستقبل المسار السياسي وحدود الانخراط الدولي في النزاع. فقد أعلنت الأمم المتحدة، في الأول من نوفمبر 2026، توقف عمليات البعثة وبدء مرحلة تصفيتها، بعد تعذّر تمديد ولايتها في مجلس الأمن، مع تأكيد استمرار دعم جهود التوصل إلى حلٍّ سياسي. وفي المقابل، قدّم المغرب قراءةً أوسع لهذا التحول، عبّر عنها بلاغ الديوان الملكي الصادر في الثلاثين من أكتوبر، ثم أوضحت تصريحات وزير الخارجية، ناصر بوريطة، جوانبها السياسية والميدانية.
وبين هذه الخطابات، تبرز ضرورة التمييز بين نهاية البعثة، ومستقبل الوساطة، والموقف المغربي الداعي إلى تجاوز الصيغة القائمة لتناول الملف أمميًّا. ومن هنا، تصبح الدقة شرطًا لفهم الحدث؛ فلا يُقدَّم الموقف السياسي باعتباره قرارًا دوليًّا نافذًا، ولا تُختزل نهاية المهمة في إجراء إداري عابر، ولا تُحمَّل عبارات البيان الأممي اتهامات لم يتضمنها.
👈🏼بلاغ الديوان الملكي: قراءة تتجاوز مغادرة البعثة
لا يكتفي بلاغ الديوان الملكي بتسجيل عدم تمديد ولاية المينورسو، بل يمنحه دلالةً سياسيةً أوسع، إذ يعتبره تطورًا مهمًّا وخطوةً ذات دلالة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة. كما يربطه بالانتقال من منطق تدبير الملف إلى مقاربة تقوم على تغيير محدداته تغييرًا عميقًا. وهذا هو المدخل الذي ينبغي اعتماده لفهم الموقف المغربي، بدل اختزاله في الترحيب بانتهاء مهمة ميدانية.
وعلى المستوى العملي، يرى البلاغ أن عدم التجديد يستوجب إنهاء وجود المينورسو في الأقاليم الجنوبية، بما يشمل أفرادها ومركباتها ومعداتها ورموزها. ويقدّم هذا التطور باعتباره طيًّا لصفحة امتدت خمسةً وثلاثين عامًا، متضمنًا تقييمًا نقديًّا للبعثة بوصفها آليةً موروثةً من سياق تجاوزته التحولات، وأسهمت، وفق الرؤية الواردة في البلاغ، في تدويل النزاع الإقليمي.
غير أن النقطة الأبرز تتعلق بما بعد المينورسو؛ فالبلاغ يعتبر أن عدم التمديد ينبغي أن يفضي إلى إنهاء تناول مجلس الأمن للقضية وسحبها من جدول أعماله، وإلى وقف الاجتماعات الدورية والتقارير والإحاطات المرتبطة بها. كما يصف المسار السياسي الأممي بأنه أصبح معلّقًا، ويعلن التوجه إلى اتخاذ خطوات مماثلة داخل أجهزة أممية أخرى.
وبذلك، يطرح الموقف المغربي تغييرًا في الإطار المؤسسي لتناول الملف، لا مجرد تعديل في أدواته الميدانية. ومع ذلك، تستدعي هذه المطالب تمييزًا تحريريًّا واضحًا بين ما تدعو الرباط إلى ترتيبه على انتهاء الولاية، وما تحقق فعلًا داخل مؤسسات الأمم المتحدة. فالبلاغ يثبت الموقف المغربي، لكنه لا يحلّ محل قرار يصدر عن مجلس الأمن بشأن جدول أعماله.
👈🏼بين الموقف المغربي واستمرار الوساطة الأممية
هنا يظهر التباين الأوضح بين بلاغ الديوان الملكي والبيان الأممي. فبينما يدعو المغرب إلى إنهاء الصيغة القائمة لتناول الملف داخل المنظمة، تؤكد الأمم المتحدة استعدادها لمواصلة دعم الحوار والتوصل إلى حلٍّ سياسي عبر المبعوث الشخصي للأمين العام، ستيفان دي ميستورا. وهذا اختلاف في تصور المرحلة المقبلة، وليس مجرد تفاوت في النبرة أو اختيار المفردات.
فالمنظمة تفصل بين انتهاء المهمة الميدانية واستمرار الوساطة، في حين يسعى الموقف المغربي إلى ربط نهاية البعثة بمراجعة أوسع للمسار الأممي. ومن ثمّ، فإن القول إن الجميع متفقون على استمرار المسار السابق يتجاهل مضمون البلاغ الملكي، مثلما أن القول إن الملف أُغلق نهائيًّا داخل الأمم المتحدة يتجاوز ما تثبته المواقف والإعلانات المتاحة.
وعليه، ينبغي قراءة المرحلة باعتبارها موضع اختلاف بشأن الإطار السياسي والمؤسسي الذي سيعقب المينورسو. فالإعلان عن نهاية المهمة واضح، أما النتائج الأوسع التي يسعى كل طرف إلى ترتيبها عليه، فما تزال بحاجة إلى إجراءات ومواقف محددة.
👈🏼مجلس الأمن: تعذّر التمديد لا يساوي اعتماد تسوية
جاء انتهاء الولاية بعد إخفاق مجلس الأمن في اعتماد أيٍّ من مشروعي القرار المطروحين للتمديد. ووفق التغطية الأممية، واجه المشروع الأول حقّ النقض، فيما لم يحصل المشروع الثاني على عدد كافٍ من الأصوات. وتكشف هذه النتيجة تعذّر الاتفاق على استمرار المهمة، لكنها لا تثبت، وحدها، اتفاق أعضاء المجلس على تسوية سياسية جديدة.�
ومن جهته، شدّد بوريطة على أن مجلس الأمن هو الذي أنهى مهمة المينورسو بعدم تمديد ولايتها. وتؤسس هذه الصياغة للرواية المغربية التي تميّز بين انتهاء التفويض نتيجة المسار داخل المجلس، وبين اتخاذ الرباط قرارًا أحاديًّا بطرد البعثة.
غير أن التحليل يقتضي الفصل بين عدم اعتماد قرار للتمديد واعتماد قرار يحسم جوهر النزاع. فالأول نتيجة لمسار التصويت، أما الثاني فيحتاج إلى نصٍّ ومضمون صريحين. ومن هنا، فإن تقديم عدم التمديد باعتباره إقرارًا تلقائيًّا بجميع مواقف طرف بعينه يتجاوز حدود الواقعة المثبتة، حتى وإن كانت لهذه الواقعة تداعيات سياسية مهمة.
👈🏼بوريطة: نهاية المينورسو لا تعني نهاية وقف إطلاق النار
في حواره الخاص مع القناة الثانية «2M»، الذي نقلت مضامينه وسائل إعلام، بينها «ميدي 1 نيوز»، أكد ناصر بوريطة أن انتهاء مهمة المينورسو لا يعني انتهاء وقف إطلاق النار، واصفًا هذا الأخير بأنه التزام سياسي ودبلوماسي وقانوني. وبذلك، فصل الموقف المغربي بين استمرار هذا الالتزام ووجود البعثة التي كانت تواكبه.
ويتقاطع هذا التوضيح مع بلاغ الديوان الملكي، الذي أكد التشبث بوقف إطلاق النار، مع احترام الوحدة الترابية للمملكة وأمنها الوطني وطمأنينة مواطنيها. ومن ثمّ، لا يقدّم الخطاب المغربي مغادرة المينورسو بوصفها إعلانًا للتحلل من وقف إطلاق النار، بل يحرص على تأكيد استمراره رغم تغيّر الإطار الميداني.
ومع ذلك، فإن استمرار الالتزام لا يلغي السؤال عن آليات المتابعة والتواصل بشأن الحوادث والتوترات. فالمبدأ السياسي شيء، والأدوات العملية للتحقق والمواكبة شيء آخر. ولذلك، تظل كيفية إدارة الوضع بعد مغادرة البعثة من الأسئلة التي تحتاج إلى توضيح، من دون أن يعني طرحها التشكيك المسبق في التعهدات المعلنة.
مغادرة منظّمة لا طرد للبعثة
على المستوى العملي، أوضح بوريطة أن المغرب سيوفر الإمكانات والتسهيلات اللازمة لمغادرة أفراد المينورسو ومعداتها بصورة منظّمة، وأن الأمر لا يتعلق بطرد موظفيها أو التعامل مع وجودهم بمنطق التصعيد. كما تحدثت التغطيات التي نقلت الحوار عن التنسيق مع الأمم المتحدة وإتاحة الوقت اللازم لإنجاز ترتيبات المغادرة.
وتتقاطع هذه التصريحات، إجرائيًّا، مع إعلان الأمم المتحدة بدء فترة التصفية، بإشراف فريق مصغّر يتولى ترتيبات الأصول والمعدات. غير أن التلاقي بشأن التنظيم اللوجستي لا يعني تطابق التفسير السياسي لانتهاء المهمة؛ إذ يمكن التعاون في تنفيذ المغادرة مع استمرار الاختلاف حول مستقبل الوساطة وموقع الملف داخل المنظمة.
ومن هنا، تبدو تصريحات الوزير شرحًا لكيفية تنفيذ الموقف المعلن في بلاغ الديوان الملكي، مع الحرص على التمييز بين المطالبة بإنهاء الوجود الميداني والدفع نحو مغادرة تصعيدية أو غير منظّمة.
👈🏼الفيتو الروسي وتغيير قواعد تدبير الملف
ذكر بوريطة أن الفيتو الروسي لم يفاجئ المغرب، وأن المملكة كانت تتابع التطورات وتستعد لهذا الاحتمال. كما قدّم عدم تمديد الولاية باعتباره مدخلًا إلى مرحلة جديدة، وربطه بتغيير قواعد تدبير الملف بدل الاستمرار ضمن آلياته السابقة.
وتنسجم هذه القراءة مع بلاغ الديوان الملكي، الذي يطرح الانتقال من تدبير الملف إلى تغيير محدداته. فالخطاب المغربي يسعى إلى تحويل تعثّر مجلس الأمن من واقعة إجرائية إلى فرصة لإعادة تشكيل المقاربة السياسية والمؤسسية.
ومع ذلك، فإن توقّع الفيتو والاستعداد له لا يثبتان، وحدهما، أن المغرب طلبه أو رتّبه. فبين الاستعداد لنتيجة محتملة والعمل على إنتاجها فارق لا يجوز تجاوزه من دون أدلة. وبالمثل، فإن الإعلان عن تغيير قواعد تدبير الملف يحتاج إلى مؤشرات عملية توضّح ما سيتغير في المسارات والآليات، لا في اللغة السياسية فحسب.
👈🏼الحكم الذاتي بين الموقف المغربي والتأييد الدولي
في امتداد لهذه الرؤية، أكد بوريطة تمسّك المغرب بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وقدّمه بوصفه الحل الذي تدافع عنه الرباط. كما انتقد جدوى المينورسو، معتبرًا أن مرجعيتها المرتبطة بالاستفتاء لم تعد تواكب التحولات السياسية والميدانية.
ومن جانبه، أورد بلاغ الديوان الملكي أن أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة يدعمون الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الإطار الوحيد للحل. وينبغي إسناد هذه النسبة بوضوح إلى البلاغ، باعتبارها تقييمًا رسميًّا للحصيلة الدبلوماسية المغربية، لا تقديمها على أنها نتيجة تصويت أممي موحّد يعرضه النص.
وتكشف هذه المواقف عن تصور مغربي يستهدف تثبيت مرجعية الحكم الذاتي وتجاوز الآليات السابقة. غير أن التمييز يظل ضروريًّا بين اتساع التأييد الذي تعلنه الرباط، والموقف الذي تعبّر عنه كل دولة على حدة، والقرارات التي تصدر عن المؤسسات الأممية؛ فهذه مستويات مختلفة لا ينبغي دمجها في استنتاج واحد.
👈🏼«استئناف العمليات العدائية».. ما الذي يقوله البيان فعلًا؟
ضمن النقاش حول البيان الأممي، تستدعي عبارة «استئناف العمليات العدائية عام 2020» توضيحًا يمنع الخلط بين دلالتها العسكرية واتهامات تتعلق بالمدنيين. فالمقصود بها عودة المواجهات بين المغرب وجبهة البوليساريو، وليس الحديث عن «اعتداءات على الشعب الصحراوي». وتحدد التقارير الأممية طرفي الأعمال المسلحة بالمغرب والبوليساريو.
وترتبط خلفية العبارة بأزمة الكركرات في نوفمبر 2020؛ إذ تناولت أخبار الأمم المتحدة آنذاك إغلاق الطريق بواسطة أنصار للبوليساريو، ثم العملية التي أُفيد بأن المغرب أطلقها في الثالث عشر من نوفمبر لفتحها. وفي اليوم نفسه، أعرب الأمين العام عن قلقه من تبعات التصعيد، بعدما لم تنجح الجهود الرامية إلى تجنّبه والحفاظ على وقف إطلاق النار المعمول به منذ عام 1991.
وعليه، فإن العبارة تصف تحولًا أمنيًّا، لكنها لا تقدّم، بمفردها، حكمًا تفصيليًّا بشأن المسؤولية عن كل واقعة. كما أن ورودها في سياق الإشادة بعمل أفراد المينورسو يجعل وظيفتها الأساسية الإشارة إلى صعوبة الظروف التي اشتغلت فيها البعثة.
ويجوز نقد هذا الاختزال لأنه يترك خلفيات التحول الأمني من دون شرح كافٍ، لكن لا يجوز تحويله إلى اتهام لم يرد في النص، أو اتخاذه، في الاتجاه المقابل، دليلًا على تبرئة شاملة لأي طرف.
الحقوق ليست اتهامًا تلقائيًّا بوقوع اعتداءات
وينطبق التدقيق نفسه على الفقرات المتعلقة بالحقوق. فالبيان يؤكد أن مغادرة المينورسو لا تلغي الحقوق التي يشير إليها، لكنه لا يقدّم في هذا الموضع وقائع اعتداءات محددةً، ولا يسمّي جهةً مسؤولةً عنها. ولذلك، فإن نسبة اتهام مباشر إليه بارتكاب اعتداءات على السكان تتجاوز ما يقرره.
وفي المقابل، فإن اعتبار مجرد الحديث عن الحقوق مغالطةً ينقل النقاش من مساءلة الصياغة وآثارها إلى الاعتراض على المبدأ نفسه. والأجدى صحفيًّا هو السؤال عن وضوح الالتزامات المطلوبة، وكيفية متابعتها، ومدى وجود وسائل عملية لترجمة التأكيدات العامة إلى إجراءات قابلة للتقييم.
كما أن إعادة تأكيد المرجعية السياسية المرتبطة بتقرير المصير، مع التشديد على حلٍّ عادل ودائم ومقبول من الطرفين، لا تحدد، بمفردها، النتيجة النهائية للتسوية. ومن ثمّ، لا ينبغي تحميل هذه الصيغ إقرارًا بجميع أطروحات طرف معين، مثلما لا يصح اعتبار انتهاء البعثة إسقاطًا تلقائيًّا لكل ما يستعيده البيان من مبادئ.
👈🏼حصيلة المينورسو بين التكريم والمساءلة
يشيد البيان الأممي بأفراد المينورسو وتضحياتهم، بينما يتبنى الخطاب المغربي تقييمًا ناقدًا لجدوى الآلية التي عملوا ضمنها. ولا يوجد تعارض ضروري بين تقدير الأفراد وإخضاع المؤسسة للمساءلة؛ إذ يمكن الاعتراف بصعوبة الخدمة مع فحص مدى ملاءمة التفويض وفاعلية المقاربة السياسية.
وقد أُنشئت المينورسو بقرار مجلس الأمن رقم 690، الصادر في التاسع والعشرين من أبريل 1991، في إطار مقترحات التسوية التي قبلها المغرب وجبهة البوليساريو. ولذلك، فإن تقييم تجربتها ينبغي أن يتناول المسافة بين أهدافها الأصلية وما تحقق سياسيًّا، وأن يميّز بين حدود التفويض، ومسؤوليات الأطراف، ودور مجلس الأمن، وأداء الأمانة العامة.
فلا الإشادة الأممية وحدها تقدّم حصيلةً نقديةً كافيةً، ولا التقييم السياسي الرافض لاستمرار البعثة يفسّر وحده جميع أسباب تعثّر المسار. وكان يمكن لبيان بهذه الأهمية أن يوضح بصورة أوسع ما أنجزته المهمة، وما تعذّر عليها، والدروس التي ستستخلصها المنظمة من تجربتها.
👈🏼الصحافة الدولية بين نهاية المهمة وغموض المرحلة التالية
انعكس هذا التعقيد في التغطيات الدولية التي أمكن التحقق منها. فقد ركزت إذاعة فرنسا الدولية «RFI» على إقرار الأمم المتحدة تصفية المينورسو، بعد أن أبرزت إخفاق مشروعي القرار الخاصين بالتمديد، واضعةً الحدث ضمن إطار تعثّر مجلس الأمن وإنهاء المهمة.
أما «TV5Monde»، فقد جعلت الغموض الميداني محورًا بارزًا، حين تناولت توقف المينورسو بعد خمسة وثلاثين عامًا على إنشائها، مع بقاء الوضع على الأرض غير محسوم. وفي المقابل، اختارت الجزيرة مدخلًا تفسيريًّا يتعلق بأسباب الاحتفاء المغربي بإخفاق القرار الأممي.
وللمقارنة، أبرزت منابر مغربية نهاية المينورسو وبدء تصفيتها، بينما جمع عنوان «لو ماتان» بين بدء الانسحاب واستعداد الأمم المتحدة لمواصلة الحوار. كما ظهرت في تغطيات أخرى قراءة تربط الحدث بالمطالبة المغربية بسحب الملف من التداول الأممي.
ولا تسمح هذه العينة بإعلان إجماع للصحافة الدولية على تفسير واحد. فالاختلاف يتعلق بزاوية السرد وترتيب عناصر الخبر: نهاية المهمة، أو الغموض الميداني، أو القراءة المغربية، أو مستقبل الوساطة. كما أن العناوين والمقتطفات التي جرى التحقق منها لا تجعل الحديث عن «اعتداءات على الشعب الصحراوي» محورًا رئيسًا ظاهرًا، مع ضرورة عدم تعميم هذه الملاحظة على جميع المقالات والمنابر.
👈🏼الثقة في المؤسسات والمسؤولية المشتركة
وأمام تباين الخطابات وتسارع التأويلات، تبرز أهمية الثقة بين الشعب المغربي ومؤسساته باعتبارها ركيزةً لتعزيز التماسك الوطني ومواكبة التحرك الدبلوماسي بشأن الصحراء المغربية. وهي ثقة تتعزز بوضوح المواقف، وانتظام التواصل، وتقديم المعطيات الدقيقة التي تتيح للمواطن فهم التطورات والتمييز بين القرارات المتحققة والتقديرات السياسية، بعيدًا عن المبالغة في الاستنتاج أو التسرع في إعلان النتائج.
ومن هذا المنطلق، فإن الالتفاف حول المؤسسات لا يتعارض مع النقاش المسؤول، بل يتقوّى به؛ إذ تسهم الصحافة المهنية والمساءلة البنّاءة في تحصين الرأي العام من الشائعات والقراءات المجتزأة. وهكذا، تصبح الثقة مسؤوليةً مشتركةً، تدعمها المؤسسات بالتوضيح والعمل، ويواكبها المواطنون بالوعي واليقظة، من دون تهويل للمخاطر أو اطمئنان لا تسنده المعطيات. وبهذا المعنى، يكون التماسك الداخلي سندًا للعمل الدبلوماسي، لا بديلًا عن تقييم نتائجه وفهم تحدياته.
وفي الختام،تكشف المقارنة بين بلاغ الديوان الملكي والبيان الأممي وتصريحات بوريطة أن الخلاف لا يتعلق بترتيبات مغادرة المينورسو وحدها، بل يتصل بما ينبغي أن يترتب على نهايتها سياسيًّا ومؤسسيًّا. فالأمم المتحدة تؤكد استمرار الوساطة، بينما يدعو المغرب إلى تجاوز الصيغة القائمة لتناول الملف، مع التمسّك بوقف إطلاق النار والتعاون في تنظيم المغادرة.
ومن هنا، تتحدد مسؤولية المعالجة الصحفية في الفصل بين المواقف والقرارات، وبين المطالب والنتائج المتحققة، وبين وصف المواجهات وإثبات الاعتداءات. فلا تُقدَّم المطالبة بسحب الملف باعتبارها سحبًا منجزًا، ولا يُتجاهل أن الموقف المغربي يطرح تحولًا أوسع من مجرد تصفية بعثة لحفظ السلام.
أما الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة، فلن يكون في قوة العناوين أو كثافة التأكيدات على بدء مرحلة جديدة، بل في الإجراءات التي ستحدد شكل الانخراط الدولي، ومضمون التحرك المغربي، وكيفية التعامل مع الفجوة بين استمرار الوساطة كما تعلنها الأمم المتحدة، وتغيير إطار تناول الملف كما تدعو إليه الرباط. وفي مواكبة هذا المسار، تظل الثقة الواعية في المؤسسات، المقترنة بوضوح المعلومة ورصانة النقاش، أساسًا لتماسك داخلي يستوعب تعقيد المرحلة من دون أن يفقد القدرة على التقييم والنقد.







مساحة للنقاش
وجهات نظر مختلفة. حوار يجمعنا.
نرحب برأيك. تُراجع التعليقات والردود قبل نشرها للحفاظ على نقاش محترم.
كن أول من يبدأ الحوار
ما رأيك في هذا الموضوع؟ نرحب بوجهة نظرك.
أضف إلى النقاش
نقرأ مشاركتك بعناية. قد تستغرق المراجعة بعض الوقت.