فن وثقافة

التشكيل والتراث في غياب ابستمولوجيا البحث -2-

بقلم الفنان التشكيلي والناقد ذ. محمد خصيف

2-
إن ما خلده التصوير الاستشراقي la peinture orientaliste من مواضيع ومشاهد كانت تعكس صور الفضاءات الداخلية الشرقية أكثر مما تعكس عمق الفضاءات المغربية، وما صوره بعض من زاروا المغرب مثل أوجين دولاكروا (1789-1863) وغيره من فناني القرن التاسع عشر، هي فضاءات تنتمي لعائلات غير مسلمة، يهودية أو مسيحية. فالتقاليد المغربية العريقة والمحافظة لا تسمح للأجنبي، غير المحرم، أن يختلط بالإناث، فكيف بالأحرى أن تسمح لأجنبي (نصراني) أن يحضر ويرسم حفلات الأعراس والزواج وغيرها، انظر لوحات دولاكروا:
Les femmes d’Alger و Noce juive كمثال.
إن ما ألف من كتب وتصانيف، رغم نقائصها، تشكل اليوم مرجعيات تاريخية لا يستهان بقيمتها الأدبية، لكن ما يؤسف له أن الكتاب المحدثين الذين يحاولون الكشف عن الروابط التاريخية و الجمالية التي تنسج خيوطها بين القديم والحديث، بين ما أنتجه الصانع التقليدي عبر آلاف السنين وما ينجزه فنان القرن العشرين، عهد الحداثة الفنية، لم يبينوا بالنقد والتحليل والمنهجية العلمية الكيفيات التي تتحقق بها تلك الروابط، بمعنى آخر أننا لا نجد تحليلا جماليا للأشياء التراثية، يظهر الكاتب من خلاله الكيفية التي تحقق بها الاقتباس والتأثر والتلاقي والتلاقح. فالكاتب لا ينفذ إلى عمق ” العالم المستقل” الخاص بالأثر التراثي، بل يكتفي بوصف السطوح وقراءة ما هو مكشوف، ما يمكن أن يقرأه كل باحث غير متخصص في الجمالية والفنون التشكيلية، أو حتى الإنسان العادي الذي لا يتوفر على ثقافة فنية، فيكتفي بوصف الأشكال بأنها دائرية أو مربعة أو مستطيلة والألوان أنها حارة وأخرى باردة، والفضاء التشكيلي كلاسيكي واقعي تشخيصي تعبيري، فتتوالى الألفاظ اللامعة وتتواتر المصطلحات غير الدقيقة، تأخذ القارئ إلى متاهة ملؤها الغموض واللبس وصعوبة إدراك المعنى. ومن تم “تكتسب بعض المصطلحات والمفاهيم وجودا ملتبسا داخل نسيج الكتابات والحوار فتنقلب من أدوات مسعفة على الفهم والتوضيح، إلى عناصر تشيع الخلط والتشويش، وتطبع ما وراء اللغات (ومنها النقد) بالفضفضة والتقريبية والتعميم”. (محمد برادة، مجلة فصول)

3-
ما علاقة الموروث الفني التقليدي، ذي الصبغة النفعية بالحداثة الفنية (المحلية) التي برزت فجأة مستنسخة قوالب اللوحة الأوروبية مع بداية ستينيات القرن الماضي؟ أقصد حقبة الستينات لأنها هي التي اعتبرت مرحلة “التجديد الحداثي” في الفن التشكيلي بالمغرب.
تحاول الكاتبة الإيطالية طوني ماريني ربط هذا الفن بالفنون التي باتت مختفية لقرون عديدة لتبرز ملامح جماليتها فجأة مع منتصف القرن العشرين عبر تجربة أحمد الشرقاوي الذي “ربط أعماله الفنية بأناه الداخلية”. ويعد أحمد الشرقاوي أحد أقطاب الريادة الأوائل في التصوير الحديث بالمغرب، الذين عملوا على وضع اللبنات الأولى لمرحلة التجديد الحداثي الذي عرفته التجربة التشكيلية المغربية مع بداية الستينات، حيث قطعت كليا مع الرؤية الاستشراقية، والسياسة الثقافية اللتين كان ينهجهما المستعمر الفرنسي منذ عهد الحماية واستمر نهجهما حتى فترة متأخرة من سنوات الاستقلال الأولى. فتكون لدى الشرقاوي منذ بدايته وعي بالذات والتراث فعمل على بناء شخصيته الفنية معتمدا على تكوينه الفني الذي تلقاه بالخارج وعلى احتكاكه بتجارب فناني الحداثة الأوروبية أمثال بول كلي وفناني مدرسة باريس الفرنسية. يقول الشرقاوي متأثرا وهو يتأمل لوحات روجي بيسيير (1886-1964) أحد أعمدة هذه المدرسة: “لما رأيته أول مرة كنت جد متأثر حتى أني بكيت. لقد شعرت بصدمة غريبة إزاء أعماله، كنت أرى أمامي الجمال مجسدا”.
أي جمال هذا الذي يراه الشرقاوي مجسدا أمامه؟ هو طبعا لا يقصد الجمال بمفهومه الكلاسيكي الذي كان إتقان وحذق ومهارة تمثله وتشكله من المعايير الرئيسية المعتمدة لتقييم الأعمال الأكاديمية. إنه جمال آخر ذلك الذي أحس به الشرقاوي أثناء لحظة التأمل، جمال ينبثق من “عالم الفن المستقل” كما أسماه المؤرخ الجمالي ألكسندر ببادوبولو Papadopoulo Alexandre حين دراسته للفن الإسلامي.
شكلت بحوث أحمد الشرقاوي أولا، لحظة تزاوج وتلاقح زمانية/مكانية بين الوافد والموروث، بين إبداع الفنان الحداثي والحرفي المحلي، ثم تلتها البحوث التنظيرية التي قام بها افراد مجموعة 65، المكونة أساسا من الفنانين فريد بلكاهية ومحمد المليحي ومحمد شبعة بعد ذلك، والذين كانت طوني ماريني رفيقة دربهم.
ما زلنا نتساءل إذا كانت الممارسات الفنية الحديثة بالمغرب تأخذ أصولها من التراث ومن الفنون التقليدية الشعبية؟ فباستثناء تجربة أحمد الشرقاوي وفريد بلكاهية، شخصيا لا أرى تلك الجذور عند أحد من الفنانين الذين شكلوا جيل ما بعد جماعة 65، وما نراه إلى اليوم هو محاولات ل”مغربة” اللوحة بتوظيف أشكال وخطوط ورموز في تكوينات تشكيلية جميلة، تثير النظر دون أن تستدعي الفكر. إن الفنان المغربي ألزم الرموز التراثية أن تغادر قسرا سياقاتها الأنطولوجية والميتافزيقية ليوظفها كمضامين شكلانية في لوحاته. فهل يتجدد الفن بالمضامين وحدها؟ وهل يتطور بالأشكال والتكوينات الجميلة المثيرة للعين، دون أن تكون نافدة للعمق؟ وهل يجوز أن نعتبر تجديد الفنون البصرية متغاضين عما تقدمه للنظر ومكتفين بما يصاحبها قسر من أدب ولغو وحشو كلام لافائدة منه؟!

تم توظيف الخط العربي كعنصر مساهم في تشكيل اللوحة بهتك أنساقه الخاصة وروحانيته ودمجه في وسط مادي دنسه ورفع عنه قدسيته. إن التراث الفني طرف من التراث الفكري الأمازيغي/العربي العام الذي شهد له الجابري في كتاباته بعدمية الإحاطة به ودراسته دراسة معمقة وعميقة. وإن ارتباط التراث الفني القديم بالتشكيل الحديث، واستغلال ما يوفره من مخزون بصري هائل توقف مع تجربة مجموعة 65، ومن جاء بعدهم لا يعير للتراث أهمية ولا اعتبارا. فأين التراث في أعمال التجريديين الذين شكلوا جيل ما بعد الستينات من القرن الماضي؟ شخصيا لا أراه…إلا قشورا تغطي السطوح. وحتى رواد حركة 65 ألفوا أنفسهم في آخر المطاف، يطوفون داخل دائرة مغلقة، يكررون نفس الأشكال ونفس الألوان ونفس التعرجات، وقد تنبأ بذلك محمد شبعة بقوله:” كنا قد بقينا حبيسي نوع من الأكاديمية الخاصة بنا، حبيسي نوع من الدوران في عملنا الخاص، الذي لا يتقدم بالسرعة المطلوبة…وبإمكاننا أن نبقى-بسبب هذا الجمود وعدم الديناميكية-نحن أنفسنا”. (الثقافة الجديدة)
كثيرا ما نظر محمد شبعة للتراث ودافع عنه في كتاباته ومداخلاته، لكن أعماله تجريدية محض لا أثر للتراث بها. فالحداثة التي حاولت هذه المجموعة التأسيس يصدق عليها قول الفيلسوف هابرماس: “الحداثة مشروع لم يكتمل” ذلك أنها زاغت عن مسارها، لأسباب لا يسع المقام للتفصيل فيها.
4-
اخطأت طوني ماريني حينما قارنت مسيرة المغرب الفنية بمسار الغرب الفني معتمدة نظرية فيلسوف الجمال رودولف أرنهايم الألماني الذي يرى أن الفن الحديث الأوروبي كان تتويجا للتحولات العامة التي عرفتها أوروبا منذ عصر النهضة واستمرت إلى منتصف القرن 19.
الأمر مختلف تماما كما بين ذلك الجابري في كتابه “تكوين العقل العربي”. لا مجال لمقارنة الثقافة الأوروبية التي قطعت مسارها التاريخي دون اهتزازات ولا انقلابات ولا ازدواجية الأنا والهو، عكس الثقافة العربية التي عرفت مسارا تاريخيا متقطعا، مأساويا، مازال يجر نتائجه الى اليوم. فتاريخ الفكر العربي حسب الجابري، يعيش على ازدواجية التدوين التأريخي: التأرجح بين التاريخ الهجري والتاريخ الميلادي. مما يكشف عن “حلقة مفقودة” في تاريخ الأمة العربية. حلقة امتدت على مدى ستة قرون. فنتساءل مع الجابري عن مصير إنسان فاقد لستة قرون من تاريخه ومن وعيه؟ هل عاش الإنسان الغربي نفس المأساة الوجودية؟ هل ينبني الفكر الغربي على ازدواجية الانا والهو؟ يجب الاقرار ان الثقافة الأوروبية التقت بهويات عديدة ومختلفة على مدى مسارها التاريخي، لكنها عرفت كيف تدمجها وتندمج معها وتهضمها. أما الثقافة العربية فلم تصل إلى نتيجة الدمج/ الاندماج والهضم لأنها كانت تتعامل مع الآخر وثقافته بريبة وشكوك. كانت ترى فيها الوافد قسرا والمستعمر العنيف. فكانت النهضة العربية رد فعل قوي ضد ذلك الإحساس والواقع المعاش.
عرف الفكر الغربي والثقافة الأوروبية تدرجا تاريخيا منطقيا: العصر الوسيط ثم النهضة ثم الأنوار والحداثة، أما الفكر والثقافة العربيين فكانت حقبهما التاريخية متزامنة: الحداثة هي التنوير والنهضة في نفس الوقت. الحداثة التي استقت شرعيتها من الماضي والتراث، عكس الحداثة الأوروبية التي قطعت مع ماضيها القرسطي والنهضوي.

5-
يستعمل من يكتبون عن الفن بالمغرب مفاهيم مثل مفهوم الخرائطية الذي نجد الإشارة إليه في كتاب Ecrits sur l’art للكاتبة طوني ماريني، فهي تتحدث عن الخرائطية cartographie والطوبوغرافية وأعماق الارض souterrain حينما تربط الفن بجذوره الأصلية وتربته، وأن الفنون تبقى تعيش متخفية في أعماق اللاوعي الجمعي حتى تتوفر لها فرص البروز affleurement حسب المفهوم الجيولوجي أو طفرات حسب Fiedler أو éveilحسب Ghiberti (طوني ماريني).وما استعمال مثل هذه المفاهيم الجغرافية إلا تكريسا لفكرة التشتت والجزر المستقلة عن بعضها (الجابري)، لكل منها حداثتها.

اظهر المزيد

حميد فوزي

رئيس التحرير
زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!