أثار المرسوم رقم 2.26.825، الصادر في 26 أكتوبر 2026 والمنشور في العدد 7555 من الجريدة الرسمية، جدلاً تنظيمياً ومهنياً حول مكانة قطاع التواصل في الهيكلة الحكومية الجديدة. فبعد أن غابت كلمة «التواصل» عن التسمية الرسمية لوزارة محمد المهدي بنسعيد، التي أصبحت تحمل اسم «وزارة الشباب والثقافة والرياضة»، عاد المرسوم ليؤكد أن القطاع لم يخرج من دائرة صلاحيات الوزير، بل ظل رهناً بوصايته المباشرة. وهذا التحول، رغم بساطته الظاهرية، يفتح الباب أمام أسئلة أوسع حول العلاقة بين الدولة والمهنة الصحفية، وطريقة تدبير ملفات حساسة تمس استقلالية الإعلام واستدامته الاقتصادية.
إن ما يمنح هذا المرسوم أهميته ليس مجرد إبقاء الاختصاصات المتعلقة بالتواصل في يد بنسعيد، وإنما الطريقة التي يجمع بها بين مسؤوليات متعددة في حقيبة واحدة. فالوزير، الذي يتولى الشباب والثقافة والرياضة، يبقى كذلك مسؤولاً عن قطاع يضم مؤسسات إعلامية ذات وزن كبير في الرأي العام، وعن ملفات تمس مباشرة الدعم العمومي للصحافة والوصاية على المؤسسات الإعلامية. وبذلك يصبح المرسوم، في ظاهره نصاً تقنياً لتحديد الاختصاصات، لكنه في عمقه خريطة لتوزيع السلطة داخل المنظومة الإعلامية المغربية.
وتكشف مقتضيات المرسوم أن الوزير يحتفظ بممارسة الاختصاصات المتعلقة بقطاع التواصل كما حددها المرسوم رقم 2.24.1143 الصادر في 11 أبريل 2025. كما تنص المادة الثالثة على وضع الهياكل المركزية واللاممركزة التابعة للقطاع تحت سلطته، فيما تمنحه المادة الرابعة وصاية الدولة على المؤسسات العمومية التي كانت خاضعة لوصاية السلطتين الحكوميتين المكلفتين بالثقافة والتواصل. وهكذا، فإن غياب «التواصل» من اسم الوزارة لا يعني إلغاء القطاع أو نقل صلاحياته، وإنما إعادة تنظيم شكلي يحفظ جوهر المسؤولية في يد الوزير نفسه.
وتكتسي هذه الوصاية أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المؤسسات التي تشملها. فقطاع التواصل يضم، على سبيل المثال لا الحصر، وكالة المغرب العربي للأنباء، والشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، وسوسييتي 2M، والمركز السينمائي المغربي، إضافة إلى المعهد العالي للإعلام والاتصال والمعهد العالي لمهن السمعي البصري والسينما والمكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة. وهي مؤسسات لا تمثل مجرد أدوات إدارية أو ثقافية، بل تشكل ركائز أساسية في الإنتاج الإعلامي والتكوين المهني وحماية الحقوق الفكرية، مما يجعل طريقة تدبيرها انعكاساً مباشراً لفلسفة الدولة في التعامل مع الإعلام العمومي والمهنة الصحفية.
غير أن الاختبار الحقيقي لهذا الترتيب التنظيمي لا يكمن في النصوص، بل في الممارسة. فالوزير الذي يجمع بين ملفات الشباب والثقافة والرياضة والتواصل يجد نفسه أمام أجندة ثقيلة ومتعددة الأولويات، وقد يثير ذلك تساؤلات مشروعة حول قدرته على تخصيص الاهتمام الكافي لملفات الصحافة والإعلام، وهي ملفات تتطلب حضوراً مستمراً وحواراً مع فاعلين نقابيين ومهنيين لا يقل تعقيداً عن أي قطاع آخر. كما أن تركيز الصلاحيات في يد وزير واحد قد يعزز الكفاءة الإدارية من جهة، لكنه قد يفتح الباب، من جهة أخرى، أمام اختزال القرار في مكتب وزاري واحد بعيداً عن التشاور الواسع الذي تطالب به النقابات والمؤسسات الصحافية.
وفي هذا السياق، يبرز ملف الدعم العمومي للصحافة بوصفه الرهان الأكثر إلحاحاً.
فالنقابة الوطنية للصحافة المغربية حذرت، في بلاغ لمكتبها التنفيذي المنعقد بتاريخ 22 أكتوبر 2026، من استمرار هشاشة الأوضاع المهنية والاجتماعية للعاملين في قطاع الإعلام، مطالبة الحكومة باتخاذ إجراءات ملموسة لحماية مناصب الشغل وربط الدعم العمومي باحترام الحقوق الاجتماعية والمهنية للأجراء. وتأتي هذه المطالب في سياق تتزايد فيه مخاوف الصحفيين من أن تؤدي صيغ الدعم الجديدة إلى فرز المقاولات الصحافية وإقصاء بعضها، خصوصاً المؤسسات الصغيرة والجهوية والإلكترونية التي تعتمد بشكل كبير على هذا الدعم لبقائها.
إن النقابات لا تطلب، في جوهرها، مجرد زيادة في الغلاف المالي المخصص للدعم، وإنما تطالب بمراجعة جذرية لآليات تدبيره. فهي تدعو إلى اعتماد معايير أكثر شفافية في منح الدعم، وربط الاستفادة منه باحترام قانون الشغل والانتظام في صرف الأجور والتصريح بالعاملين لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. كما تطالب بإشراك النقابات والمنظمات المهنية في إعداد هذه المعايير وتدبيرها، بدل ترك القرار بيد الإدارة الوزارية وحدها. وهذه المطالب ليست شكلية، بل تعكس قناعة راسخة بأن الدعم العمومي، إذا لم يُدَر بشفافية واستقلالية، قد يتحول من أداة لدعم القطاع إلى وسيلة للضغط عليه أو للتحكم في توجهاته.
ويتقاطع هذا الخلاف مع نزاع آخر لا يقل حدة، يتعلق بمشروع القانون رقم 26.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. فبينما تقدم الوزارة هذا المشروع بوصفه مرحلة ثانية من التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة، ترى الهيئات النقابية والمهنية الأكثر تمثيلية في القطاع أنه يمثل تراجعاً خطيراً عن مكتسبات المهنة، يقلص من دور النقابات ويهدد استقلالية المجلس. وقد أعلنت هذه الهيئات رفضها القاطع للمشروع، متهمة الوزير بالتضليل وعدم الاستجابة الحقيقية للملاحظات التي قدمتها المؤسسات الدستورية والهيئات المهنية.
وتتركز النقطة الخلافية الأكثر دقة في نمط الاقتراع وتمثيلية الفاعلين داخل المجلس الوطني للصحافة. فقد انتقدت فرق المعارضة في البرلمان اعتماد الاقتراع الفردي بالنسبة للصحفيين مقابل الاقتراع باللائحة بالنسبة للناشرين، معتبرة أن هذا التباين يخل بتوازن التمثيلية داخل المجلس. كما أثارت المعارضة اعتراضها على ربط تمثيلية الناشرين برقم معاملاتهم، معتبرة أن ذلك يعكس منطقاً اقتصادياً صرفاً قد يهدد التعددية الإعلامية ويفتح المجال أمام هيمنة الفاعلين الأقوى مالياً على هياكل التنظيم المهني. وهذه الملاحظات، رغم أنها جاءت من المعارضة البرلمانية، تتقاطع إلى حد كبير مع مواقف النقابات التي ترى في المشروع تهديداً مباشراً لاستقلالية المهنة.
ولا يقتصر الخلاف على البنية المؤسسية، بل يمتد إلى مسألة الشفافية في التعديلات التشريعية. فقد طالبت النقابات والمهنيون الوزير بنشر الملاحظات والمقترحات التي زعم أنه أخذ بها من المجلس الاقتصادي والاجتماعي البيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، بعدما أكد أن نحو 80 في المائة من هذه الملاحظات أُدمجت في المشروع. غير أن غياب نشر هذه الملاحظات بشكل واضح ومفصل أثار شكوكاً جدية لدى المهنيين، الذين اعتبروا أن هذا الغموض يشكل انتهاكاً لمبادئ الشفافية ويضعف الثقة في الحوار المؤسسي بين الحكومة والقطاع.
وفي موازاة ذلك، يظل ملف الاتفاقية الجماعية للصحافيين المهنيين من أكثر الملفات إلحاحاً لدى النقابات، التي تطالب بتجديده عبر حوار اجتماعي حقيقي يضمن إلزاميته. فالنقابة تعتبر أن استمرار تأخر تجديد هذه الاتفاقية يكرس الغموض ويهدد الحقوق المهنية والاجتماعية للصحفيين، مطالبة بتسوية وضعيات الصحفيين المستقلين والعاملين في الصحافة المكتوبة والإلكترونية والإذاعات الخاصة، وضمان العقود الواضحة والحماية الاجتماعية وانتظام الأجور. وهذه المطالب، رغم أنها قد تبدو تقنية في ظاهرها، تمس جوهر العلاقة بين الصحفي وصاحب العمل والدولة، وتحدد إلى أي مدى يمكن للمهنة أن تحافظ على استقلاليتها في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة.
إن ما يجمع هذه الملفات المتفرقة، من الدعم العمومي إلى المجلس الوطني للصحافة مروراً بالاتفاقية الجماعية والشفافية التشريعية، هو سؤال واحد جوهري: من يملك القرار في القطاع الإعلامي المغربي، وهل يُدار هذا القطاع بمنطق الخدمة العمومية والاستقلالية المهنية أم بمنطق الوصاية والتحكم؟ فالنقابات والمهنيون يخشون أن يتحول الدعم العمومي إلى أداة لضبط المقاولات الصحفية والصحفيين، وأن يصبح المجلس الوطني أقل استقلالية وأقل تمثيلاً للمهنيين، فيما تقدم الوزارة مسارها بوصفه إصلاحاً ضرورياً لتحديث القطاع ومواجهة تحدياته الاقتصادية والمهنية.
وفي الختام، يظل مرسوم إسناد قطاع التواصل إلى بنسعيد، على ما يحمله من دلالات تنظيمية مهمة، مجرد إطار قانوني لا يضمن بذاته أي تحول إيجابي في واقع الصحافة المغربية. فالاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الوزير على تحويل هذا التركيز للصلاحيات إلى فرصة لإصلاح حقيقي يراعي التوازن بين متطلبات الدولة ومصالح المهنة، وبين الحاجة إلى دعم اقتصادي للقطاع وضرورة الحفاظ على استقلاليته التحريرية والمهنية. وإلا، فإن المرسوم سيبقى، في نظر النقابات والمهنيين، مجرد تأكيد إضافي على استمرار منطق الوصاية الذي طالما انتقدوه، وسيظل الخلاف قائماً ما لم تُفتح آليات حوار حقيقية تُشرك المهنيين في رسم مستقبل قطاعهم.