في خطوة تحمل دلالة إنسانية واجتماعية واضحة، أصدر صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بمناسبة الذكرى الأولى لعيد الوحدة لسنة 1448 هجرية الموافقة لسنة 2026 ميلادية، عفوه السامي لفائدة تسعمائة وسبعة أشخاص، محكوم عليهم من طرف مختلف محاكم المملكة، من بينهم ستمائة وثلاثة عشر معتقلاً، ومئتان وأربعة وتسعون شخصاً في حالة سراح. وقد جاء هذا القرار، وفق بلاغ وزارة العدل، ليمنح العيد بعداً إنسانياً يتجاوز احتفاليته الرسمية، ويؤكد أن الرأفة الملكية تبقى امتداداً لسياسة التسامح والانفتاح على فرص الإصلاح.
ولا يخفى أن اختيار هذه المناسبة تحديداً ليس اعتباطياً؛ إذ يربط العفو الملكي بين مفهوم الوحدة الوطنية ومفهوم التماسك الاجتماعي، في رسالة مفادها أن قوة البلاد لا تقوم على الاستقرار المؤسسي وحده، بل أيضاً على قدرة المجتمع على احتواء أفراده ومنحهم فرصاً جديدة للعودة إلى الحياة الطبيعية.
وبذلك يتحول العفو من إجراء قانوني إلى رمز للرحمة، يعبّر عن توجه يضع الإنسان في قلب الاهتمام الملكي، ويؤكد أن العقوبة ليست هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة لإصلاح المسار وإعادة بناء العلاقة بين الفرد والمجتمع.
وتكشف تفاصيل البلاغ أن العفو شمل فئات متعددة من المستفيدين، بما يعكس منهجاً متوازناً في التعامل مع الأحكام القضائية. فمن بين المعتقلين، استفاد عدد كبير من النزلاء من تخفيف عقوباتهم، بينما نال آخرون العفو عن باقي مدة سجنهم، فيما خُففت عقوبة السجن المؤبد بالنسبة إلى نزيل واحد إلى عقوبة محددة المدة. أما الأشخاص الموجودون في حالة سراح، فقد شملهم العفو في صور مختلفة، بين العفو عن الغرامات، والعفو عن العقوبات الحبسية أو باقيها، والعفو عن الحبس مع إبقاء الغرامة، وهو ما يدل على أن القرار لم يقتصر على فئة واحدة، بل راعى تنوع الأوضاع القضائية والاجتماعية للمستفيدين.
ومن زاوية قانونية، لا يعني هذا العفو إلغاء الأحكام الصادرة عن القضاء أو التشكيك في عمل مؤسسات العدالة، بل يمارس صاحب الجلالة، بمقتضاه، صلاحية دستورية راسخة تتيح تخفيف الآثار الإنسانية للعقوبات في مناسبات ذات رمزية وطنية.
ولهذا السبب، يُنظر إلى العفو الملكي بوصفه أداة تكاملية مع منظومة العدالة، لا بديلاً عنها؛ فهو يحافظ على مبدأ المسؤولية الجزائية، ومن جهة أخرى، يفتح المجال أمام من أُتيحت لهم شروط الرأفة لبدء صفحة جديدة، خصوصاً أولئك الذين كانت أحكامهم تترك آثاراً طويلة الأمد على حياتهم وحياة أسرهم.
كما أن الأثر المترتب على هذا القرار يتجاوز حدود الأرقام المعلنة، ليمسّ عائلات وأسراً كثيرة مرتبطة بالمستفيدين، سواء عبر خروج نزلاء من المؤسسات السجنية، أو عبر تخفيف الأعباء المالية المرتبطة بالغرامات. فالعفو، في هذا المعنى، لا يخص الفرد وحده، بل يمتد إلى محيطه الاجتماعي، ويساهم في تخفيف الضغوط النفسية والاقتصادية التي قد تترتب على السجن أو على الأحكام المالية الثقيلة. ومن هنا، يمكن القول إن هذا القرار يعزز دور المؤسسات السجنية في مسار إعادة التأهيل، ويشجع على بناء جسور ثقة بين المحكوم عليهم والمجتمع.
وفي السياق ذاته، يحمل العفو الملكي رسالة داخلية وخارجية مفادها أن المغرب يواصل تعزيز ثقافة التسامح والرحمة، ويؤكد أن العدالة لا تعني القسوة، بل تحقيق التوازن بين الجزاء والإنسانية.
كما يعكس هذا التوجه التزام الدولة بمبدأ إعادة إدماج المحكوم عليهم في النسيج الاجتماعي والاقتصادي، بما يخدم الاستقرار العام ويحدّ من احتمالات الانعزال أو العود إلى السلوكيات الإجرامية.
وختاماً، يمكن القول إن العفو الملكي الصادر بمناسبة الذكرى الأولى لعيد الوحدة لا يمثل مجرد إجراء استثنائي، بل يشكل رسالة متكاملة تجمع بين الرحمة والعدالة والتماسك الاجتماعي. فالمغرب، عبر هذا القرار، يؤكد أن العيد ليس مناسبة للاحتفال فقط، بل أيضاً فرصة لتجديد العهد بالقيم الإنسانية، وترجمة مبدأ الوحدة إلى ممارسة ملموسة تلامس حياة الناس وتفتح أمامهم آفاقاً جديدة للمستقبل.
وفي ما يلي نص بلاغ وزارة العدل بهذا الخصوص:
« بمناسبة الذكرى الأولى لعيد الوحدة لهذه السنة 1448 هجرية 2026 ميلادية تفضل جلالة الملك أدام الله عزه ونصره، فأصدر حفظه الله أمره السامي المطاع بالعفو على مجموعة من الأشخاص منهم المعتقلين ومنهم الموجودين في حالة سراح، المحكوم عليهم من طرف مختلف محاكم المملكة الشريفة وعددهم 907 شخصا وهم كالآتي :
المستفيدون من العفو الملكي السامي الموجودون في حالة اعتقال وعددهم 613 نزيلا وذلك على النحو التالي :

المستفيدون من العفو الملكي السامي الموجودون في حالة سراح وعددهم 294 شخصا موزعين كالتالي :

أبقى الله سيدنا المنصور بالله ذخرا وملاذا لهذه الأمة، ومنبعا للرأفة والرحمة، وأعاد أمثال هذا العيد على جلالته بالنصر والتمكين وأقر عينه بولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير الجليل مولاي الحسن وجميع أفراد الأسرة الملكية الشريفة إنه سميع مجيب، والسلام».