أ.م/بنسليمان
تخيم حالة من الحزن والأسى، الممزوجة بالغضب والاهتمام البالغ، على الرأي العام المحلي بإقليم بنسليمان عقب الحادث الأليم الذي أودى صباح أمس بحياة عامل بأحد مقالع الحجارة بالمنطقة. وهي الفاجعة التي أعادت إلى الواجهة سيلا من التساؤلات المشروعة حول مدى التزام أرباب هذه المقالع بمعايير السلامة المهنية وقوانين البيئة، ومدى فاعلية آليات التتبع والمراقبة التي تقع على عاتق السلطات الإقليمية والجهات المختصة.
ولم تكن وفاة العامل صباح يوم أمس مجرد حادث شغل عابر بالنسبة لساكنة الإقليم، بل عدّت في نظر العديد من الفاعلين الجمعويين والمواطنين بمثابة حلقة جديدة من مسلسل الخروقات التي طالما ارتبطت بقطاع المقالع بالمنطقة. وتتنوع هذه التجاوزات — حسب شهادات وإفادات متفرقة — بين عدم الاحترام الصارم لشروط وضوابط السلامة الخاصة بالعمال داخل المقالع، وتجاوز المساحات المرخص بها، ناهيك عن الاستخراج الجائر وما يخلفه من أضرار بيئية وصحية على الساكنة المجاورة جراء الغبار الكثيف والتفجيرات المتكررة.
أمام هذا الوضع، يتساءل الشارع السليماني بنبرة ملؤها الترقب: هل ستتدخل السلطات الإقليمية ببنسليمان، وعلى رأسها عمالة الإقليم، بصرامة وحزم للحد من هذه الخروقات وفتح تحقيق شامل يحدد المسؤوليات ويقطع مع حوادث مماثلة؟
ولا تتوقف المعاناة عند حدود المقلع، بل تمتد لتصل إلى الشبكة الطرقية للإقليم. إذ يشتكي مستعملو الطريق والساكنة من السلوكيات الناتجة عن الحركة الدؤوبة لشاحنات نقل الحجارة والأتربة ذات الحمولات الزائدة (Overload).
فقد تسببت هذه الشاحنات في تخريب واهتراء العديد من المحاور الطرقية الرئيسية والفرعية، مخلفة حفرا وتشققات جراء الحمولة التي تتجاوز في كثير من الأحيان السقف القانوني المسموح به. هذا التخريب المستمر للمنشآت الطرقية يطرح علامات استفهام كبرى حول غياب أو ضعف المراقبة الصارمة بموازين قياس الحمولة، و مدى تطبيق العقوبات الزجرية في حق المخالفين لمنع استنزاف البنية التحتية للإقليم التي تصرف عليها أموال عمومية طائلة.
وفي ظل هذه المعطيات، يستغرب المتابعون للشأن المحلي عدم تفعيل اللجان الإقليمية للمراقبة بالشكل الصارم والدوري الذي ينص عليه القانون رقم 27.13 المتعلق بالمقالع. حيث ينص التشريع المغربي على تشكيل لجان مختصة تضم ممثلي مختلف القطاعات المعنية (الداخلية، التجهيز والماء، البيئة، وعصرنة الإدارة) لزجر المخالفات وتتبع مدى التزام المستغلين بدفاتر التحملات.
ويتطلع الرأي العام بإقليم بنسليمان إلى ألا تطوى صفحة هذا الحادث كما طويت حوادث سابقة، مطالبين السلطات الولائية والإقليمية بإتخاء مجموعة من الإجراءات عبر تفعيل دوري ومستمر للجان المراقبة المفاجئة للوقوف على مدى احترام معايير السلامة وصحة العمال داخل المقالع، و تكثيف دوريات مراقبة الطرقات وتكثيف استعمال الموازين المتحركة لتحديد الحمولات الزائدة وتطبيق القانون بصرامة بحق أصحاب الشاحنات والمقالع على حد سواء، و ترتيب الجزاءات القانونية والمالية والإدارية (والتي قد تصل إلى إغلاق المقالع المخالفة أو سحب تراخيصها) لإعادة الانضباط لهذا القطاع الحساس.
يبقى السؤال الأبرز الذي يتردد اليوم بين أزقة وشوارع بنسليمان: هل ستبادر السلطات الإقليمية إلى اتخاذ قرارات شجاعة وملموسة تعيد الهيبة للقانون وتصون أرواح العمال والبنية التحتية، أم أن الأمر سيتوقف عند حدود الحزن والتعازي ليبقى الوضع على ما هو عليه؟
الأيام القليلة القادمة كفيلة بالإجابة عما إذا كانت فاجعة أمس ستشكل نقطة تحول حقيقية لفرض النظام والمحاسبة بقطاع المقالع بالإقليم، أم أن نداءات المواطنين والفاعلين ستظل مجرد صيحة في واد.







مساحة للنقاش
وجهات نظر مختلفة. حوار يجمعنا.
نرحب برأيك. تُراجع التعليقات والردود قبل نشرها للحفاظ على نقاش محترم.
كن أول من يبدأ الحوار
ما رأيك في هذا الموضوع؟ نرحب بوجهة نظرك.
أضف إلى النقاش
نقرأ مشاركتك بعناية. قد تستغرق المراجعة بعض الوقت.