عمادة الجامعة بين حكامة التدبير وطموح الارتقاء بالتكوين والبحث العلمي
ليست قيادة مؤسسة جامعية بحجم كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية مجرد مسؤولية إدارية مرتبطة بتدبير الشؤون اليومية، بل هي مهمة أكاديمية ومؤسساتية تتقاطع فيها رهانات جودة التكوين، وتطوير البحث العلمي، وتأهيل الرأسمال البشري، وتعزيز انفتاح الجامعة على محيطها الاقتصادي والاجتماعي. وفي هذا السياق، يواصل الدكتور محمد شادي تحمل مسؤولية عمادة الكلية التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، في مرحلة تضع المؤسسة أمام استحقاقات متجددة وتطلعات متزايدة.
إن أهمية هذه المسؤولية تنبع، أساساً، من المكانة التي تحتلها الكلية في منظومة التكوين القانوني والاقتصادي والاجتماعي، باعتبارها فضاءً لإنتاج المعرفة وتأهيل الكفاءات التي ستلتحق بمختلف المهن القانونية والإدارية والقضائية والاقتصادية. وهو ما يجعل تدبيرها رهيناً بقدرة القيادة الجامعية على التوفيق بين متطلبات التنظيم الإداري وانتظارات الطلبة والأساتذة والباحثين.
من تدبير المرفق الجامعي إلى صناعة القيمة الأكاديمية
إن التحدي الحقيقي أمام عمادة الكلية لا يتوقف عند ضمان السير العادي للمؤسسة، بل يمتد إلى بناء بيئة جامعية قادرة على الاستجابة للتحولات التي يعرفها التعليم العالي، سواء على مستوى المناهج البيداغوجية أو البحث العلمي أو الخدمات المقدمة للطلبة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية اعتماد رؤية تدبيرية تجعل من النجاعة الإدارية مدخلاً لتحسين الأداء الأكاديمي، ومن التنسيق بين مختلف مكونات المؤسسة وسيلة لتجاوز الصعوبات، ومن تطوير آليات التواصل رافعة لتعزيز الثقة داخل الفضاء الجامعي.
فالجامعة الحديثة لم تعد تقاس فقط بعدد المسالك والتخصصات التي توفرها، وإنما كذلك بمدى قدرتها على إنتاج المعرفة، وتشجيع المبادرات العلمية، وتوفير شروط التحصيل الجيد، وربط التكوين بالتحولات التي يعرفها المجتمع وسوق الشغل.
البحث العلمي.. رهان أساسي لاستعادة المبادرة
تحتل كلية الحقوق موقعاً مهماً في مواكبة التحولات التشريعية والمؤسساتية التي يعرفها المغرب، وهو ما يفرض تعزيز حضورها العلمي من خلال الندوات المتخصصة، واللقاءات الأكاديمية، والبرامج البحثية التي تتيح للأساتذة والطلبة الباحثين مناقشة القضايا القانونية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة.
كما أن تشجيع البحث العلمي يقتضي توفير فضاءات للحوار الأكاديمي، وتوسيع فرص التعاون بين المختبرات ومراكز البحث، والانفتاح على التجارب الجامعية الوطنية والدولية، بما يساهم في تطوير المعرفة القانونية والارتقاء بجودة الإنتاج العلمي.
وتظل هذه الأوراش من بين المجالات التي يمكن أن تمنح الكلية قيمة مضافة أكبر، شريطة أن تقترن المبادرات العلمية باستمرارية مؤسساتية، وتقييم موضوعي للنتائج، واستثمار فعلي لمخرجات البحث في تطوير التكوين الجامعي.
الطالب في قلب أولويات التدبير
لا يمكن الحديث عن جامعة ناجحة دون وضع الطالب في صلب السياسات التدبيرية والبيداغوجية. فحسن الاستقبال، وتيسير الإجراءات الإدارية، ووضوح المعلومة، واحترام الزمن الجامعي، كلها عناصر تؤثر بصورة مباشرة في المسار الدراسي وفي علاقة الطالب بالمؤسسة التي ينتمي إليها.
ومن هذا المنطلق، تكتسي جودة الخدمات الجامعية أهمية لا تقل عن أهمية البرامج والمقررات، إذ إن التدبير الفعال هو الذي يحول النصوص التنظيمية والإمكانات المتاحة إلى خدمات ملموسة يستفيد منها الطلبة، مع الحرص على تكافؤ الفرص واحترام القواعد المؤطرة للحياة الجامعية.
كما أن الإنصات إلى انتظارات الطلبة، والتفاعل المسؤول مع انشغالاتهم، وتعزيز قنوات التواصل مع مختلف مكونات الكلية، تظل عناصر أساسية في بناء مناخ جامعي سليم، يوازن بين الحقوق والواجبات ويشجع على التحصيل والاجتهاد.
الحكامة الجامعية مسؤولية جماعية
إن نجاح أي تجربة في تدبير مؤسسة جامعية لا يمكن أن يرتبط بشخص واحد، مهما كانت خبرته أو مؤهلاته، بل يتطلب تعبئة جماعية تقوم على وضوح المسؤوليات، وتكامل الأدوار، واحترام الاختصاصات، وتغليب المصلحة العامة للمؤسسة.
وفي هذا الإطار، تبرز مسؤولية العميد في تنسيق جهود الأساتذة والأطر الإدارية والتقنية، وتيسير العمل المشترك، وإرساء شروط التدبير القائم على النجاعة والشفافية والتقييم. فالمؤسسة الجامعية فضاء للعمل الجماعي، وتطوير أدائها يقتضي الاستفادة من كفاءات مواردها البشرية وتشجيع المبادرات التي تخدم أهدافها العلمية والتكوينية.
كما أن الحكامة الجيدة تظل مرتبطة بالقدرة على تحديد الأولويات، وتدبير الإمكانات المتاحة بفعالية، والتعامل مع الإكراهات بمنطق الحلول المستدامة، بعيداً عن التدبير الظرفي الذي لا يترك أثراً مؤسساتياً واضحاً.
ولاية جديدة ومسؤولية أمام استحقاقات متجددة
إن إعادة تعيين الدكتور محمد شادي على رأس كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية لولاية ثانية، في مارس 2025، تضع أمامه مسؤولية مواصلة تطوير أداء المؤسسة وتعزيز قدرتها على الاستجابة لمتطلبات الجامعة المغربية. وهي محطة تتيح، في الوقت نفسه، فرصة لتقييم التجربة التدبيرية، وتحديد مكامن القوة ومجالات التطوير، وصياغة أولويات عملية تستجيب لحاجيات الكلية.
وتبقى قيمة أي تجربة في تدبير الشأن الجامعي مرتبطة بما تحققه من نتائج قابلة للتقييم، سواء تعلق الأمر بتحسين جودة الخدمات، أو تطوير البحث العلمي، أو الارتقاء بالتكوين، أو تعزيز التواصل المؤسساتي. فالمعيار الأساسي ليس حجم التوقعات وحده، وإنما مدى ترجمتها إلى مبادرات ناجعة ومكتسبات مستدامة.
إن كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية تمتلك من موقعها الأكاديمي ورصيدها البشري ما يؤهلها لمواصلة الإسهام في تكوين الكفاءات وإنتاج المعرفة. ويظل الرهان المطروح أمام عمادتها هو تحويل هذه المؤهلات إلى دينامية مؤسساتية متجددة، تجعل من جودة التكوين والبحث العلمي وخدمة الطالب مرتكزات أساسية لكل مشروع تطويري.
في المحصلة، فإن القيادة الجامعية الناجحة هي التي تترك أثرها في جودة المؤسسة، وفي ظروف اشتغال مكوناتها، وفي القيمة العلمية والتكوينية التي تقدمها لطلبتها ومحيطها. ومن هذا المنظور، ستظل حصيلة تدبير محمد شادي على رأس كلية الحقوق بالمحمدية مرتبطة بقدرته على مواصلة تطوير الأداء المؤسسي، والاستجابة للاستحقاقات الأكاديمية، وترسيخ ثقافة العمل الجماعي والنتائج الملموسة.







مساحة للنقاش
وجهات نظر مختلفة. حوار يجمعنا.
نرحب برأيك. تُراجع التعليقات والردود قبل نشرها للحفاظ على نقاش محترم.
كن أول من يبدأ الحوار
ما رأيك في هذا الموضوع؟ نرحب بوجهة نظرك.
أضف إلى النقاش
نقرأ مشاركتك بعناية. قد تستغرق المراجعة بعض الوقت.