تدخل المنظومة الصحية المغربية مرحلة حساسة مع تنزيل القانون رقم 54.23 القاضي بنقل تدبير التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بالقطاع العام من الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ابتداءً من فاتح فبراير 2027. وهو تحولٌ مؤسسي واسع النطاق يمس ملايين الموظفين والمتقاعدين وذوي الحقوق، ويضع أمام الدولة اختباراً حقيقياً في قدرتها على تحقيق الاستمرارية في الخدمة، وصون الحقوق الطبية المكتسبة دون أي تراجع في التغطية أو في جودة العلاج.
👈🏼اصلاح في التدبير لا في الحقوق
ينص القانون رقم 54.23، الصادر بالجريدة الرسمية بتاريخ 29 يناير 2026، على إسناد تدبير التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بالقطاع العام إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، في إطار تنزيل القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية. ويأتي هذا الإصلاح بهدف إحداث هيئة موحدة لتدبير أنظمة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وتقليص التشتت المؤسسي بين صندوقين كبيرين، وتحسين التنسيق بين مختلف الفاعلين في المنظومة الصحية.
غير أن الفارق الجوهري يبقى قائماً بين “التدبير” و“الحقوق”؛ فالإصلاح يوحّد الهيكل الإداري الذي يصرف التعويضات ويدير الملفات ويتعامل مع مقدمي الخدمات، لكنه لا يُلغي من حيث المبدأ نظام التغطية الخاص بالقطاع العام ولا يدمج موارده المالية تلقائياً مع نظام القطاع الخاص. وقد أكد وزير الصحة والحماية الاجتماعية أن المشروع يندرج في إطار إصلاح تقني يهم أسلوب التدبير فقط، ولا يتعلق بإدماج أنظمة التأمين في نظام موحد.
وبناءً على ذلك، فإن وعد المسؤولين بالحفاظ على نسب التعويضات، وسلة العلاجات، وشروط الاستفادة، وحقوق المتقاعدين وذوي الحقوق، يتسق مع منطق الإصلاح المعلن. لكن هذا الوعد لا يكفي وحده لبناء ثقة المؤمنين؛ فالحقوق لا تُصان بالتصريحات، بل بمسطرة انتقال شفافة، وبنصوص تطبيقية صادرة في الوقت المناسب، وبضمانات قابلة للمحاسبة والرقابة.
👈🏼الأمراض المزمنة: تشابه في المبدأ واختلاف محتمل في التغطية التكميلية
بالنسبة للأمراض المزمنة، يتشابه النظامان في توفير حماية قوية للأدوية، وصولاً إلى تعويض 100 في المائة في حالات محددة. ففي نظام “كنوبس”، يوفر الصندوق تعويضاً بنسبة 100 في المائة عن الأدوية المتعلقة بالأمراض المزمنة أو المكلفة، على أساس السعر العمومي للدواء، وعلى أساس سعر الدواء الجنيس إذا كان متوفراً.
ويستفيد المؤمن من هذا التعويض بعد تسجيل حالته لدى الصندوق والحصول على “شهادة الإعفاء من الحصة المتبقية على عاتق المؤمن”. كما يمكن أن ترتفع التغطية الإجمالية إلى نحو 86 في المائة في بعض الحالات بفضل مساهمة التعاضدية، حسب معطيات الصندوق.
أما في نظام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فيعتمد كذلك آلية الطرف الثالث المؤدي في الأدوية، ويعوّض الأدوية المدرجة في لائحة الأدوية القابلة للتعويض. وفي الحالات العادية، تبلغ نسبة التعويض نحو 70 في المائة من الثمن المرجعي، بينما ترتفع إلى ما بين 77 و100 في المائة بالنسبة للأمراض المزمنة أو المكلفة، وفق الضوابط المعمول بها.
أما الأمراض المزمنة أو الخطيرة التي تستلزم علاجاً طويلاً أو مكلفاً، فتشمل إعفاءً من الأداء أو تعويضاً يصل إلى 100 في المائة من المصاريف المتعلقة بالمرض، بشرط تسجيل المريض ضمن لائحة الأمراض المزمنة لدى الصندوق. والفرق العملي بين النظامين يكمن في التغطية التكميلية عبر التعاضديات، وفي بعض تفاصيل احتساب التعويض والوصول إلى الخدمة.
👈🏼شهادة الإعفاء: لا تغيير معلن في الشروط، لكن مسطرة الإصدار قد تتغير
حتى الآن، لا يوجد ما يشير إلى أن القانون رقم 54.23 سيغيّر جوهر شروط الحصول على شهادة الإعفاء من الحصة المتبقية على عاتق المؤمن. فالشرط الأساسي يبقى إصابة المؤمن أو أحد ذوي حقوقه بمرض مزمن أو مكلف، مع تقديم ملف طبي تثبت المراقبة الطبية للصندوق صحته.
في نظام “كنوبس”، يحصل المؤمن على شهادة الإعفاء بعد إيداع طلب مرفق بالوثائق الطبية الضرورية، ثم خضوعه لمراقبة الصندوق للمستندات، وقد يشمل ذلك فحصاً طبياً بعين المكان. وتتراوح مدة سريان الموافقة عادة بين ثلاث وخمس سنوات، وهي قابلة للتجديد. وتتيح هذه الشهادة الاستفادة من تعويض بنسبة 100 في المائة عن الأدوية المرتبطة بالمرض المزمن أو المكلف، على أساس الثمن المرجعي أو سعر الدواء الجنيس إذا كان متوفراً.
النقل إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي قد يغيّر الجهة التي تصدر الشهادة وتعالج الملف، لكنه لا يعني تلقائياً تغيير الشروط الطبية أو إلغاء الحق في الإعفاء. فالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يوفر أيضاً خدمات إصدار الشهادات عبر منصته، ما يشير إلى استمرار آلية الطلبات الإلكترونية.
لكن التغيير المحتمل قد يظهر في الجوانب التنظيمية، مثل طريقة تقديم الملف ورقياً أو عبر المنصة الرقمية، والوثائق الطبية المطلوبة وتنسيقها، وآجال المعالجة وآلية التجديد، وربط الشهادة بالملف الرقمي الموحد للمؤمن، وطريقة الاستفادة من الطرف الثالث المؤدي في الصيدليات.
ملفات الأمراض المزمنة العالقة: الخلافة التلقائية واستمرارية الحق
ستُعامل ملفات الأمراض المزمنة العالقة، من حيث المبدأ، وفق قاعدة الخلافة التلقائية؛ فالقانون رقم 54.23 ينقل بقوة القانون وبصفة تلقائية إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الملفات والأرشيف والوثائق والالتزامات المرتبطة بتدبير التأمين الإجباري الأساسي عن المرض للقطاع العام، بما يضمن استمرارية الخدمة.
إلى غاية دخول النقل حيز التنفيذ، تبقى ملفات الأمراض المزمنة، بما فيها طلبات شهادة الإعفاء من الحصة المتبقية وطلبات تعويض الأدوية، تُعالج وفق المساطر الحالية لدى “كنوبس” أو التعاضدية المعنية. وبالتالي، فإن المريض الذي أودع ملفه قبل موعد النقل لا ينبغي أن يُطالب تلقائياً بإيداعه من جديد، ما لم تصدر تعليمات تنظيمية خاصة بذلك. كما يبقى بإمكانه متابعة ملفه عبر فضاء “كنوبس” الإلكتروني أو قنوات التواصل المعتادة.
بعد فاتح فبراير 2027، يتولى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي استكمال الملفات العالقة والمواصلة في الالتزامات المرتبطة بها، بما يشمل استكمال دراسة طلبات شهادة الإعفاء، ومتابعة ملفات تعويض الأدوية المزمنة قيد المعالجة، وصرف المستحقات المقبولة قبل تاريخ النقل، واستكمال الوثائق الناقصة دون إلغاء الملف أو مطالبة المريض بالبدء من الصفر.
رغم وضوح مبدأ الاستمرارية، فإن الملفات العالقة هي من أكثر الفئات عرضة للتأخير أثناء الانتقال، خصوصاً إذا كانت تنتظر رأياً طبياً أو فحصاً إضافياً، أو وثيقة ناقصة من المريض أو من الطبيب المعالج، أو قراراً بشأن إدراج دواء أو فحص ضمن التغطية، أو تسوية نزاع حول نسبة التعويض، أو تجديد شهادة إعفاء قاربت انتهاء مدتها.
👈🏼التغطية التكميلية والتعاضديات: شريك لا هامش
تمثل التعاضديات أحد أهم اختبارات هذا الانتقال؛ فالقانون يتوقع استمرار الاتفاقيات القائمة خلال فترة انتقالية قد تصل إلى خمس سنوات، مع خلافة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي للصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي في الحقوق والالتزامات المرتبطة بها.
لكن استمرار التعاضديات لا يعني بالضرورة استقرار علاقتها بالمنظومة؛ فأي غموض في تمويل التغطية التكميلية، أو في تقاسم المسؤولية بين الصندوق والتعاضديات، أو في مسطرة صرف التعويضات، قد ينعكس مباشرة على جيب الموظف والمتقاعد. ولذلك ينبغي أن تكون الاتفاقيات الجديدة علنية، وواضحة في التزامات كل طرف، ومؤطرة بضمانات بعدم تراجع التغطية التكميلية.

وختاما نقول،إن التحدي الحقيقي ليس نقل “كنوبس” إلى “الضمان الاجتماعي”، بل نقل الثقة. فإذا نجحت الدولة في ضمان استمرارية التعويضات، وحفظ حقوق المرضى المزمنين، وحماية التغطية التكميلية، فإن الإصلاح سيثبت أن التوحيد المؤسسي يمكن أن يخدم المريض ويحسّن جودة الخدمة.
أما إذا تحولت الفترة الانتقالية إلى سلسلة من التأخيرات والارتباك، أو إلى باب خلفي لتقليص المكتسبات أو تضييق التغطية، فسيفقد الإصلاح شرعيته الاجتماعية مهما كانت حسنات نواتجه النظرية. والمسؤولية، في الحالتين، تقع على الحكومة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي قبل أن تقع على المواطن الذي لا يطلب سوى أن يبقى حقه في العلاج مضموناً، وأن تظل معطياته الشخصية محمية، وأن تُعامل ملفاته المزمنة باهتمام يستحقها.
إن نجاح هذا التحول لا يُقاس بعدد الملفات المنقولة أو بحجم البيانات المرحّلة، بل بقدرة المنظومة على ضمان ألا يتأخر صرف أي تعويض، وألا يضيع ملف طبي، وألا يُترك المستفيد عالقاً بين إدارتين أثناء الفترة الانتقالية. وبهذا المعنى، فإن نقل تدبير التأمين الصحي للقطاع العام ليس مجرد عملية إدارية، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تحويل الوعد إلى واقع، وعلى بناء ثقة تستحقها ملايين المؤمنين الذين ينتظرون من هذا الإصلاح خدمة أفضل لا تراجعاً في حقوقهم.
👈🏼🚨وفي العدد المقبل، سننشر مقالاً ثانياً يهم بالتحديد التحديات التقنية والبشرية المرتبطة بدمج أنظمة المعلومات ونقل الملفات، وآليات حماية المعطيات الشخصية للمؤمنين، وكيفية تتبع ملفات الأمراض المزمنة والتحقق من نجاح انتقالها، إضافة إلى المساطر العملية التي يمكن للمؤمن اتباعها في حال اختفاء ملفه أو تأخر معالجته بعد النقل.