المعرض الدولي للنشر والكتاب و”التهركاويت” الحقيقية

بقلم الهادي اليمني
من المنتظر أن يسدل المعرض الدولي للنشر والكتاب بمدينة الرباط، مع نهاية الأسبوع الجاري، الستار على دورة جديدة تمتد إلى غاية 10 ماي 2026، في حدث ظل لسنوات يقدم باعتباره واجهة ثقافية وفكرية للمغرب، وفضاء للحوار والانفتاح وتلاقح الأفكار. غير أن دورة هذه السنة لم تكن عادية، ليس فقط بسبب حجم الإقبال أو تنوع الإصدارات، وإنما بسبب الجدل الواسع الذي رافقها، وحوّل المعرض من مناسبة للاحتفاء بالكتاب إلى ساحة للنقاش حول حرية التعبير وحدود المسموح به ثقافياً وفكرياً.
فقد استأثر حدثان أساسيان باهتمام الرأي العام الوطني؛ أولهما منع المؤرخ الدكتور المعطي منجب من ولوج فضاء المعرض في ظروف أثارت الكثير من علامات الاستفهام، وثانيهما منع عرض وبيع كتاب “الأمازيغ والمخزن” للكاتب عبد الرحيم حزل، في خطوة اعتبرها متابعون استمراراً لمنطق التضييق على الأصوات الفكرية المزعجة أو غير المنسجمة مع السردية الرسمية.
ولم يخف عدد من المثقفين والفاعلين الحقوقيين دهشتهم من هذه الوقائع، خصوصاً أن المعرض يفترض فيه أن يكون فضاءً للحوار الحر وتعدد الآراء، لا مجالاً للانتقاء والإقصاء. غير أن ما حدث أعاد إلى الواجهة سؤالاً قديماً متجدداً: هل ما تزال السلطة في المغرب تنظر بعين الريبة إلى الفكر النقدي والإنتاج الثقافي الملتزم بقضايا المجتمع؟ وهل أصبح الهاجس الأمني محدداً أساسياً في تدبير الفضاء الثقافي العمومي؟
لكن وسط هذا الجدل، برز حدث آخر حظي بزخم إعلامي استثنائي، ويتعلق بتقديم كتاب “الهركاوي” للفنان الكوميدي حسن الفد. فمنذ سنوات، اشتغل حسن الفد، بأسلوبه الساخر المعروف، على ما يسميه ظاهرة “التهركاويت”، مقدماً شخصية المواطن البسيط محدود الوعي الذي يتصرف بعفوية وسذاجة في مواقف مختلفة. وقد تفاعل الجمهور المغربي مع هذا الطرح الكوميدي باعتباره نقداً ساخراً لبعض السلوكيات الاجتماعية السلبية، في إطار فني مشروع ومقبول.
غير أن الأمر أخذ أبعاداً أخرى داخل المعرض الدولي للنشر والكتاب، حين تحول “الهركاوي” فجأة إلى “حدث فكري” ضخم، رافقته تغطية إعلامية واسعة، وكأن الأمر يتعلق بإنتاج فلسفي أو سوسيولوجي غير مسبوق، يقلب مفاهيم علم النفس والاجتماع رأساً على عقب، أو يقدم تفسيراً جديداً لطبيعة المجتمع المغربي.
هنا بالضبط بدأت الانتقادات تتصاعد. فالكثيرون رأوا أن هذا التضخيم الإعلامي لم يكن بريئاً، بل جاء في سياق واضح يهدف إلى تحويل الأنظار عن الأحداث المؤسفة التي رافقت المعرض، وعلى رأسها منع مثقفين وباحثين من التعبير وعرض إنتاجاتهم الفكرية. فبينما كان النقاش الحقيقي يجب أن ينصب على حرية الفكر والنشر والتعبير، جرى دفع الرأي العام نحو جدل شعبوي حول “الهركاوي” و”التهركاويت”.
ولم تتوقف الانتقادات عند هذا الحد، بل اعتبرت فعاليات حقوقية أن المواطن البسيط الذي يُنعت بـ”الهركاوي” ليس سوى ضحية لسياسات التهميش والإقصاء، ونتاجاً طبيعياً لسنوات من الإفقار والتجهيل وضرب المدرسة العمومية وإضعاف الوعي الجماعي. فبدل السخرية من الضحية، يرى هؤلاء أن النقاش الحقيقي يجب أن يتجه نحو مساءلة الأسباب البنيوية التي تنتج الهشاشة الاجتماعية والثقافية.
ورغم كل الجدل، يبدو أن مفهوم “التهركاويت” وجد لنفسه مكاناً داخل القاموس السياسي والحقوقي المغربي، لكن بمعانٍ مختلفة تماماً عن تلك التي روج لها الخطاب الكوميدي.
فالـ“هركاوي” الحقيقي، في نظر كثير من المنتقدين، ليس المواطن البسيط الذي يعاني التهميش، بل ذلك السياسي الذي يستغل فقر المواطنين وجهلهم لشراء الأصوات الانتخابية، ثم ينصب نفسه ممثلاً للشعب داخل المؤسسات المنتخبة، مستفيداً من الحصانة والنفوذ لخدمة مصالحه الخاصة.
والـ“هركاوي الاقتصادي” هو ذلك الذي يوظف السلطة والنفوذ لاحتكار الصفقات والامتيازات، أو الذي يستغل الأزمات لزيادة ثرواته على حساب القدرة الشرائية للفئات الشعبية، أو الذي يدفع نحو قوانين وبرامج تخدم مصالح لوبيات بعينها.
أما “الهركاوي الثقافي والفني”، فهو ذلك النموذج الذي يتم تصنيعه بعناية لإنتاج ثقافة على المقاس، ثقافة تفرغ الفن من رسالته النقدية والتنويرية، وتحوله إلى أداة للترفيه السطحي وتكريس التفاهة. وهو النموذج الذي يحتكر، في كثير من الأحيان، فضاءات الإعلام العمومي والدعم العمومي، بينما يتم تهميش الأصوات الفنية والثقافية الجادة والمزعجة.
إن أخطر ما كشفته دورة هذه السنة من المعرض الدولي للنشر والكتاب ليس فقط استمرار التضييق على بعض الأصوات الفكرية، بل أيضاً قدرة الآلة الإعلامية على صناعة “أحداث بديلة” تُغرق النقاش العمومي في تفاصيل سطحية، وتبعده عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بحرية التعبير، ووظيفة الثقافة، ومستقبل الفكر النقدي بالمغرب.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: من هو “الهركاوي”؟
بل: من المستفيد من تعميم “التهركاويت” كمنطق لتدبير السياسة والثقافة والإعلام؟












