الفساد بلا مفسدين: حين يتنافس الجميع على مقعد «النزاهة»

علاش بريس
في موسم الانتخابات، تتحول المنصات إلى ساحات محاكمة مفتوحة. الجميع يرشح نفسه في دور “المدعي العام”، والكل يرفع الشعار ذاته: «محاربة الفساد ودحر المفسدين». خطابات حماسية، برامج ملونة، ووعود جازمة بالنزاهة والشفافية. لكن المشهد يتضمن مفارقة مثيرة للدهشة: إذا كان كل خطيب على المنصة بريئاً، وكل حزب يحارب الفساد، فمن الذي يفسد الاقتصاد ويستنزف المال العام؟
وتظهر هذه الظاهرة اختلالا كبيرا في التعاطي السياسي مع القضية. الفساد في الخطاب السياسي ليس جهة محددة، بل كائن هلامي بلا ملامح ولا أسماء. يتحدث الجميع عنه كأنه شأن خارجي ينزل من السماء، لتبقى هوية “المفسد” معلقة بين أروقة الإدارة، والتفاف القوانين، والمصالح المتبادلة.
تفسير هذا التناقض يتلخص في عدة عوامل رئيسية، الفساد كصناعة هيكلية و لا يتشكل الفساد غالبا من سلوك فردي معزول، بل يتغذى على ثغرات البيروقراطية وغياب الشفافية في صفقات القطاع العام. وبدلا من مواجهة هذه الاختلالات الهيكلية، يُكتفى باختزاله في شعار فضفاض يرضي الجمهور. و تغيير المواقع عند الوصول للقيادة بتغير الخطاب بمجرد الانتقال من مقاعد المعارضة إلى كراسي المسؤولية. تصبح التجاوزات السابقة مجرد “إكراهات واقعية” أو “تصفية حسابات سياسية”، ليدخل الجميع في دائرة تبرير الواقع بدلاً من تغييره. وشعار بدون كلفة سياسية، و محاربة الفساد قضية إجماع تحظى بتأييد الشعوب. ورفع هذا الشعار يمنح السياسي مكاسب معنوية سريعة دون أن يلزمة بتسمية الأمور بمسمياتها أو مواجهة مراكز النفوذ الحقيقية.
إن معالجة هذه الأزمة لا تتطلب مزيدا من الشعارات، بل استقلالية تامة للمؤسسات الرقابية، ورقابة صارمة على تمويل الأحزاب، وتفعيلاً حقيقياً لمبدأ “من أين لك هذا؟”.




