تنتهي ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية «مينورسو» عند منتصف ليل يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعد أن عجز مجلس الأمن عن إقرار مشروعي قرار متنافسين، وسط صدام مباشر بين واشنطن وموسكو حول شكل التسوية ومصير البعثة نفسها. وهكذا تنتقل الصحراء المغربية إلى مرحلة جديدة، لا يقتصر دلالتها على انتهاء تفويض أممي، بل تمتد إلى إعادة رسم موازين القوة حول ملف ظل معلقا لعقود.
👈🏼تصويت يكشف هشاشة الإجماع
حصل المشروع الأميركي، الذي كان يمدد البعثة سنة ويجعل خطة الحكم الذاتي المغربية أساس المفاوضات، على تأييد أحد عشر عضوا من أصل خمسة عشر، غير أن روسيا استعملت حق النقض لعرقلته. ثم جاء رد موسكو بمشروع بديل يقتصر على تمديد ولاية مينورسو حتى 31 أكتوبر 2027 دون تغيير اسمها أو مهامها، فلم يحصل إلا على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل فيتو أميركي وامتناع أحد عشر عضوا.
ولم يُرفض القرار الروسي بحكم الفيتو وحده، بل لأنه لم يجمع الأصوات التسع اللازمة لاعتماده؛ وهو فارق مهم يكشف أن كثيرا من أعضاء المجلس فضّلوا الامتناع على الانحياز لأي من النصين.
👈🏼ماذا يعني انتهاء الولاية؟
انتهاء التفويض لا يعني بالضرورة اختفاء النزاع، لكنه يعني أن البعثة تفقد أساسها القانوني لمواصلة مهامها. وقد أعلنت الولايات المتحدة دعمها انسحابا منظما لمينورسو في حال استمر الجمود، ما يحوّل الأزمة الدبلوماسية إلى أزمة عملياتية محتملة على الأرض.
والمفارقة أن مينورسو، التي أُنشئت سنة 1991، لم تتمكن أصلا من تنظيم الاستفتاء الذي يحمل اسمها، لكن وجودها ظل رمزا للاشراف الأممي وضمانة لوقف النار. لذلك فإن إسقاط هذا الإطار، ولو مؤقتا، يفتح الباب أمام تصعيد رمزي أو ميداني في منطقة شديدة الحساسية.
👈🏼الفيتو المزدوج: سياسة لا دبلوماسية
لم تكن الجلسة تفاوضا على صياغة وسط، بل مواجهة مشروعين لا يقبل أحدهما الآخر. فالمشروع الأميركي أراد ترسيخ خطة الحكم الذاتي المغربي كمرجع للمفاوضات، في حين سعت روسيا إلى الحفاظ على الصيغة السابقة التي تحافظ على مرجعية الاستفتاء وتقرير المصير.
وهنا تكمن النقد الجوهري: فمجلس الأمن لم يفشل لأن الحل مستعص، بل لأن الأعضاء الدائمين حوّلوا ملف الصحراء المغربية إلى ساحة لاختبار نفوذهم. فالفيتو الروسي أوقف نصا كان سيحظى بأغلبية واسعة، والفيتو الأميركي، رغم أنه لم يكن وحده سبب سقوط المشروع الروسي، أكد أن واشنطن غير مستعدة لتمديد الوضع القائم.
👈🏼الرهان المغربي: انتصار السيادة وبسط اليد على التراب
بالنسبة للرباط، فإن عدم تجديد ولاية «مينورسو» يشكل انتصارا دبلوماسيا وسياديا يفتح الطريق نحو ترسيخ السيادة المغربية الكاملة والسيادة الفعلية على مجموع تراب الصحراء المغربية. فانتهاء الإطار الأممي القديم يُقرأ في المغرب كخطوة عملية نحو إغلاق ملف زمني طويل، وتثبيت خطة الحكم الذاتي ضمن السيادة المغربية بوصفها الحل الواقعي والوحيد المطروح على الطاولة.
كما أن غياب البعثة يمنح الرباط مساحة أوسع لترسيخ حضورها الإداري والتنموي والأمني في الأقاليم الجنوبية، وتحويل الدينامية التنموية إلى حجة إضافية على ثبات الوضع المغربي في الصحراء المغربية. غير أن هذا التحول يستوجب تعبيرا دبلوماسيا حذرا، حتى لا يتحول الفراغ المؤسسي إلى ذريعة لتصعيد إقليمي أو لتشكيك خارجي في الشرعية الدولية للترتيبات المغربية.
👈🏼ما بعد منتصف الليل: المغرب سيد قراراته
مع انقضاء ولاية «مينورسو» عند منتصف الليل، يدخل المغرب مرحلة جديدة يصبح فيها، عمليا وسياسيا، سيد قراراته في الصحراء المغربية. فزوال الإطار الأممي الذي ظل رهينة لثلاثين سنة من الجمود، يمنح الرباط حرية أكبر في إدارة شؤون الأقاليم الجنوبية، وتعزيز حضورها الإداري والقضائي والتنموي والأمني دون قيود بعثة دولية لم تعد قادرة على أداء مهمتها الأصلية.
ولا يعني هذا التحول انفتاح باب للتصعيد، بل فرصة لتثبيت الواقع المغربي بثقة وهدوء: تنمية مستدامة، واستثمارات كبرى، ومؤسسات منتخبة، واندماج متواصل للصحراء المغربية في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمملكة. فالسيادة لا تُثبت بالخطابات فقط، بل بالإنجاز اليومي الذي يجعل من الداخلة والكلميم والعيون مراكز جذب إقليمية، لا مجرد مناطق نزاع.
كما أن انتهاء ولاية البعثة يضع الرباط أمام مسؤولية مضاعفة: تحويل هذا الانتصار الدبلوماسي إلى استقرار دائم، عبر تعزيز التعاون مع شركاء إقليميين ودوليين، وتقديم نموذج الحكم الذاتي بوصفه الحل الواقعي الوحيد الذي يحفظ السيادة المغربية ويستجيب لتطلعات سكان الأقاليم الجنوبية.
وبذلك فإن ما بعد منتصف الليل لن يكون بداية فراغ، بل بداية مرحلة يقود فيها المغرب مسار الصحراء المغربية بقرار سيادي مغربي كامل، بعيدا عن معادلات الفيتو والنفوذ، ونحو ترسيخ واقع لا رجعة فيه: صحراء مغربية، وتنمية مغربية، ومستقبل مغربي.

لم يحسم تصويت مجلس الأمن مستقبل الصحراء المغربية، بل كشف أن مستقبلها صار رهينة تنافس القوى الكبرى. وعندما يتحول الفيتو من وسيلة لحماية السلام إلى وسيلة لإسقاط الحلول، يخسر مجلس الأمن قدرته على أن يكون ضامنا، وتبقى المنطقة أسيرة لمنطق المواجهة.
غير أن المغرب، الذي خرج من هذه المعركة بترسيخ موقعه السيادي وتعزيز قدرته على اتخاذ قراراته، يجد نفسه اليوم أمام مسؤولية تاريخية: تحويل نهاية الولاية الأممية إلى نقطة انطلاق نحو استقرار أعمق، وتنمية أكثر شمولا، وسيادة مغربية كاملة على أرض الصحراء المغربية.