لم تكن وفاة الشاب محمد بنعمور، البالغ من العمر 21 سنة، مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار، بل تحولت إلى ملف إنساني وقضائي يفتح النافذة على ظروف عمل قطاع كامل يعيش بين قسوة البحر وهشاشة الضمانات. فالشاب الطنجاوي، الذي التحق لتوّه بأول تجربة مهنية له على متن باخرة للصيد البحري، توفي في أبريل الماضي بعد أيام من عودته من رحلة لم تتجاوز 21 يومًا، تاركًا وراءه أسرة تطلب كشف الحقيقة، وشارعًا يتفاعل على مواقع التواصل، وأسئلة تتسع لتشمل حقوق البحارة الشباب في المغرب، وهو ملف يستحق العودة إليه لاحقًا في تقرير مفصل.
وتكمن أهمية هذا الملف في كونه لا يُختزل في واقعة فردية، مهما بلغت مأساويتها، بل يتقاطع مع إشكالات بنيوية تمس آلاف البحارة، من غياب العقود الواضحة إلى هشاشة الدخل، ومن ضعف وسائل الحماية إلى صعوبة الوصول إلى العدالة حين يقع الخلاف أو الاعتداء داخل مركب بعيد عن أعين المجتمع.

بحسب رواية الأسرة، التحق محمد بنعمور بتكوين مهني في معهد الصيد البحري بالعرائش، ثم التحق بأول رحلة عمل له على متن باخرة للصيد البحري. غير أن التجربة، التي كان ينتظر منها بداية حياة مهنية، انتهت بعد 21 يومًا فقط، إذ عاد الشاب إلى منزله في حالة نفسية متدهورة، قبل أن يُعثر عليه مشنوقًا داخل غرفته.
وتقول الأم إن ابنها انقطع عن التواصل معها أسبوعًا كاملًا خلال الرحلة، ثم عاد خائفًا ومتوترًا، يرفض اقتراب الآخرين منه. وتروي أن الخلاف بدأ بعدما عجز الشاب، بسبب الإرهاق، عن الصعود إلى العمل، فذهب للاعتذار لربّان المركب، غير أن الموقف تحول، في روايتها، إلى تحقير وتكبيل بالحبال مرتين.
وتذهب الأسرة إلى أبعد من ذلك، إذ تعلن امتلاكها مقاطع فيديو تقول إنها توثق بعض الوقائع، وتتهم أشخاصًا بالتورط في ما تعرض له ابنها، بما في ذلك الاشتباه في تعرضه لاعتداء جنسي. غير أن هذه الادعاءات تبقى، في غياب حكم قضائي أو نتائج تحقيق منشورة، رواية أسرية تحتاج إلى التحقق القضائي.

لم تُنشر المقاطع التي تتحدث عنها الأسرة بشكل كامل في المصادر المتاحة، بل قالت الأم إنها أرفقتها بشكاياتها المقدمة لدى السلطات والنيابة العامة بوصفها أدلة على ما جرى. ومن ثم، فإن ما هو معروف حتى الآن هو وصف محتواها من طرف الأسرة، لا محتوى بصري يمكن للرأي العام أو الصحافة التحقق منه باستقلال.
وتقول الأسرة إن المقاطع تُظهر تقييد الشاب بالحبال، وتوثق مضايقات وعنفًا داخل الباخرة، فيما تربطها باشتباه تعرضه لاعتداء جنسي. ومع ذلك، لا تتوفر تفاصيل دقيقة عن تاريخ التصوير أو هوية المصور أو مكان التصوير أو النص الحرفي للمقاطع، وهو ما يجعل الحذر المهني ضرورة لا ترفًا.
وفي هذا السياق، يبقى من الأدق التمييز بين ثلاثة مستويات: وقائع مؤكدة، مثل وفاة الشاب بعد رحلة بحرية قصيرة وتقديم الأسرة شكايات؛ وادعاءات تحتاج إلى تحقيق، مثل التعرض للتكبيل والتعنيف والاعتداء؛ ومعلومات غير واضحة، مثل نتائج التشريح التفصيلية ومآل الملف القضائي.
السلطات بين التشريح وصمت الملف
أجرت السلطات، وفق رواية الأسرة، تشريحًا طبيًا للجثة بعد الوفاة، وأبلغتها بأن الوفاة غير طبيعية. غير أن الأسرة تقول إنها لم تتوصل إلى نتائج التشريح التفصيلية، وأنها واجهت صعوبات في الاطلاع عليها، وهو ما زاد من شعورها بالظلم والحاجة إلى توضيح رسمي.
وقدّمت الأسرة شكاية لدى الجهات المختصة في طنجة، مرفقة بمقاطع وأسماء لأشخاص تعتبرهم متورطين، مطالبة بفتح تحقيق شامل والاستماع إلى جميع الأطراف. لكن المصادر المتاحة لا تُظهر بلاغًا من النيابة العامة بطنجة، ولا من شركة الصيد، ولا من مصلحة الشرطة القضائية، يفصّل ما إذا فُتح بحث أو ما إذا استُمع إلى طاقم الباخرة.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أن غياب البيان الرسمي لا يعني بالضرورة عدم اتخاذ إجراءات، إذ قد تجري التحريات بسرية، غير أن غياب أي توضيح علني يترك الأسرة والرأي العام أمام فراغ معلوماتي يغذي التكهنات ويضعف الثقة في مسار العدالة.

أثارت القضية تفاعلًا واسعًا نسبيًا على مواقع التواصل الاجتماعي بعد تداول تصريحات الأسرة، خاصة بعد ظهور الأم في حوار مع المراسلة في قناة شوف تيڨي، فاطمة الزهراء. وتصدرت منشورات التعاطف مع الأسرة، وإدانة التنمر والعنف داخل أوساط العمل، والمطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين إن ثبتت الاتهامات.
وتناولت مواقع إخبارية محلية وطنية القضية بصيغ متكررة، ما وسّع انتشارها وربطها بأسئلة أوسع حول ظروف عمل البحارة الشباب وحمايتهم من الانتهاكات. ومع ذلك، لم يتحول التفاعل، بحسب المصادر المتاحة، إلى احتجاجات ميدانية أو حملة منسقة من منظمات حقوقية أو نقابات.
ويبقى جزء من التفاعل محفوفًا بمخاطر، إذ تضمن تداول اتهامات وروايات لم تُثبت قضائيًا بعد، ما يستوجب من الإعلام والمتفاعلين على حد سواء التمييز بين التعاطف مع الأسرة وإثبات وقائع الاتهام، حفاظًا على سلامة الدليل وحماية الأسرة من مخاطر قانونية محتملة.

لحد الساعة لم تظهر في المصادر المتاحة معلومات موثقة تفيد بأن منظمة حقوقية رسمية دخلت علنًا في القضية، سواء بتقديم شكاية أو إصدار بلاغ أو مرافقة الأسرة قانونيًا. فالبحث المتاح لم يُظهر بيانًا من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أو المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أو المجلس الوطني لحقوق الإنسان يتعلق بهذه الواقعة تحديدًا.
غير أن غياب المعلومة في نتائج البحث لا يعني بالضرورة عدم وجود تواصل خاص بين الأسرة ومنظمات حقوقية أو محامين. لكن، وفق المعطيات المنشورة، لا يوجد أثر علني موثق لتدخل جمعوي منظم حتى الآن، ما يجعل القضية تُقدَّم في الإعلام بوصفها ملفًا أسريًا وقضائيًا، لا ملفًا تحمله منظمة حقوقية معلنة.

كما لا تتوفر، في المصادر ، أي رد فعل معلن من شركة الصيد البحري المعنية أو من ربّان الباخرة أو من أي جهة تشغيلية مرتبطة بالرحلة.
فالتقارير المنشورة اكتفت بنقل رواية الأسرة، دون أن تُدرج موقفًا أو بيانًا أو نفيًا من الطرف المهني.
وغياب الرد لا يعني بالضرورة عدم وجود موقف داخلي أو إجراءات سرية، لكنه يترك فراغًا معلوماتيًا يضعف التوازن في الملف. فالرواية المهيمنة في الإعلام تبقى رواية الأسرة، في حين يغيب الطرف المتهم أو المعني بالرحلة عن المشهد الإعلامي.

للأسرة عدة مسارات قانونية متاحة حاليًا، أهمها متابعة الشكاية لدى النيابة العامة، وطلب الاطلاع على نتائج التشريح، والانتصاب كطرف مدني إذا فُتح تحقيق قضائي، ثم التظلم إذا صدر قرار بالحفظ. فالنيابة العامة هي الجهة التي تتمسك بالدعوى العمومية وتراقب سيرها وتطالب بتطبيق القانون.
ويمكن للأسرة أن تطلب رسميًا، عبر محامٍ، الحصول على نسخة من تقرير الخبير أو التشريح أو على ما يسمح به القانون من نتائجه، وطلب إبداء ملاحظاتها أو طلب خبرة مضادة. كما يمكنها، إذا تحولت الشكاية إلى تحقيق قضائي أمام قاضي التحقيق، أن تنصب نفسها طرفًا مدنيًا، بوصفها متضررة من جناية أو جنحة قابلة للتحقيق.
وإذا قررت النيابة العامة حفظ الشكاية، وجب إخبار المشتكي أو محاميه خلال 15 يومًا من تاريخ القرار، ويمكن للأسرة التظلم من ذلك القرار أمام الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف إذا صدر عن وكيل الملك، أو أمام الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض إذا صدر عن وكيل عام أو نائبه.
كما يمكن للأسرة تقديم شكاية مكتملة أو جديدة إذا ظهرت معطيات إضافية، تتضمن تحديد التواريخ والأماكن والأشخاص المعنيين بدقة، وطلب حفظ تسجيلات الباخرة وسجلات الاتصال وتقارير الميناء وشهادات زملاء العمل، مع طلب مواجهة الأشخاص المتهمين بالمقاطع أو الشهادات.

تبقى قضية محمد بنعمور، في جوهرها، اختبارًا لقدرة المنظومة القضائية والإدارية على تحويل الشكوى الأسرية إلى حقيقة مثبتة، ومنع تكرار المأساة. فما لم تُنشر نتائج التشريح ومآل التحقيق، سيبقى الرأي العام أمام أسئلة مفتوحة، والأسرة أمام صمت يفاقم جرحها.
غير أن الملف يتجاوز حدود واقعة فردية إلى إشكال بنيوي يمس قطاعًا يعيش آلاف المغاربة منه، ويحتاج إلى إصلاح حقيقي في العقد والحماية والسلامة والتمثيل النقابي، وهو محور يستحق العودة إليه في تقرير مفصل لاحقًا. فالبحر قد يكون مصدر رزق، لكنه لا يجب أن يتحول إلى فضاء بلا قانون ولا حماية ولا عدالة، خصوصًا لشاب في بداية الطريق، يبحث عن لقمة عيش ولا يجد سوى نهاية مأساوية تفتح أبواب الأسئلة ولا تغلقها.